فهرس الكتاب
فكيف وقد ثبتت الأحاديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون في مرابض الغنم، وأمر بالصلاة في مرابض الغنم، ونهي /عن الصلاة في معاطن الإبل، فعلم أن ذلك ليس لنجاسة الأبعار، بل كما أمر بالتوضؤ من لحوم الإبل، وقال في الغنم: (إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ) ، وقال: (إن الإبل خلقت من جن، وإن على ذروة كل بعير شيطانًا) وقال: (الفَخْرُ والخُيلاءُ في الفدادين أصحاب الإبل، والسكينة في أهل الغنم)
فلما كانت الإبل فيها من الشيطنة مالا يحبه الله ورسوله أمر بالتوضؤ من لحمها، فإن ذلك يطفئ تلك الشيطنة، ونهي عن الصلاة في أعطانها؛ لأنها مأوي الشياطين، كما نهي عن الصلاة في الحمام؛ لأنها مأوي الشياطين.
فإن مأوي الأرواح الخبيثة أحق بأن تجتنب الصلاة فيه وفي موضع الأجسام الخبيثة، بل الأرواح الخبيثة تحب الأجسام الخبيثة.
ولهذا كانت الحَشُوش محتضرة تحضرها الشياطين، والصلاة فيها أولى بالنهي من الصلاة في الحمام ومعاطن الإبل، والصلاة على الأرض النجسة. ولم يرد في الحشوش نص خاص؛ لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين أن يحتاج إلى بيان؛ ولهذا لم يكن أحد من المسلمين يقعد في الحشوش، ولا يصلي فيها، وكانوا ينتابون البرية لقضاء حوائجهم /قبل أن تتخذ الكُنُف في بيوتهم.
وإذا سمعوا نهيه عن الصلاة في الحمام أو أعطان الإبل علموا أن النهي عن الصلاة في الحشوش أولى وأحري، مع أنه قد روي الحديث الذي فيه النهي عن الصلاة في المقبرة والمجزرة والمزبلة والحشوش وقارعة الطريق ومعاطن الإبل، وظهر بيت الله الحرام.
وأصحاب الحديث متنازعون فيه، وأصحاب أحمد فيه على قولين: منهم من يري هذه من مواضع النهي، ومنهم من يقول: لم أجد في هذا الحديث، ولم أجد في كلام أحمد في ذلك إذنًا، ولا منعًا، مع أنه قد كره الصلاة في مواضع العذاب، نقله عنه ابنه عبد الله؛ للحديث المسند في ذلك عن على الذي رواه أبو داود، وإنما نص على الحشوش وأعطان الإبل والحمام، وهذه الثلاثة التي ذكرها الخِرَقِي وغيره، والحكم في ذلك عند من يقول به قد يثبته بالقياس على موارد النص، وقد يثبته بالحديث، ومن فرق يحتاج إلى الطعن في الحديث وبيان الفارق، و ـ أيضًا ـ المنع قد يكون منع كراهة، وقد يكون منع تحريم.
وإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوي لابد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانًا عامًا، ولابد أن تنقل الأمة ذلك، فمعلوم /أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوي كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب، فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الإفطار بغيره، فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن، والبخور قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل في الدماغ وينعقد أجسامًا، والدهن يشربه البدن ويدخل إلى داخله ويتقوي به الإنسان، وكذلك يتقوي بالطيب قوة جيدة، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز تطييبه وتبخيره وادهانه، وكذلك اكتحاله.
وقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم يجْرَح أحدهم إما في الجهاد وإما في غيره مأمومة وجائفة، فلو كان هذا يفطر لبين لهم ذلك، فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعله مفطرًا.
والوجه الثالث: إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحًا، وذلك إما قياس علة بإثبات الجامع، وإما بإلغاء الفارق، فإما أن يدل دليل على العلة في الأصل فيعدي بها إلى الفرع، وإما أن يعلم ألا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع، وهذا القياس هنا منتفٍ.