الصفحة 399 من 1087

وذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله/ورسوله مفطرًا هو ما كان واصلًا إلى دماغ أو بدن، أو ما كان داخلًا من منفذ، أو واصلًا إلى الجوف. ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله، ويقولون: إن الله ورسوله إنما جعلاالطعام والشراب مفطرًا لهذا المعني المشترك من الطعام والشراب، ومما يصل إلى الدماغ والجوف من دواء المأمومة والجائفة، وما يصل إلى الجوف من الكحل ومن الحقنة والتقطير في الإحليل ونحو ذلك.

وإذا لم يكن على تعليق الله ورسوله للحكم بهذا الوصف دليل كان قول القائل: إن الله ورسوله إنما جعلا هذا مفطرًا لهذا قولًا بلا علم، وكان قوله: إن الله حرم على الصائم أن يفعل هذا، قولًا بأن هذا حلال وهذا حرام بلا علم، وذلك يتضمن القول على الله بما لا يعلم، وهذا لا يجوز.

ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحكم، فهو بمنزلة من اعتقد صحة مذهب لم يكن صحيحًا، أو دلالة لفظ على معني لم يرده الرسول، وهذا اجتهاد يثابون عليه، ولا يلزم أن يكون قولًا بحجة شرعية يجب على المسلم اتباعها.

/والوجه الرابع: أن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم إذا سَبَرنَاأوصاف الأصل، فلم يكن فيها ما يصلح للعلة إلا الوصف المعين، وحيث أثبتنا علة الأصل بالمناسبة أو الدوران أو الشبه المطرد عند من يقول به، فلابد من السَّبْر، فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يجز أن يقول: الحكم بهذا دون هذا.

ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيض، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهي المتوضئ عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائمًا، وقياسهم على الاستنشاق أقوي حججهم كما تقدم، وهو قياس ضعيف؛ وذلك لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش ويطبخ الطعام في معدته كما يحصل بشرب الماء، فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب، فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم، وذلك غير معتبر، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر، فليس هو مفطرًا ولا جزءًا من المفطر لعدم تأثيره، بل هو طريق إلى الفطر، وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة، فإن الكحل لا يغذي البتة ولا يدخل أحد كحلًا إلى جوفه لا من أنفه ولا فمه، /وكذلك الحقنة لا تغذي، بل تستفرغ ما في البدن كما لو شم شيئًا من المسهلات أو فزع فزعًا أوجب استطلاق جوفه وهي لا تصل إلى المعدة.

والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه، والله ـ سبحانه ـ قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الصوم جنة) وقال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع بالصوم)

فالصائم نهى عن الأكل والشرب؛ لأن ذلك سبب التقوى، فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء لا عن حقنة ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكر، ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة، وهو متولد عما استنشق من الماء؛ لأن الماء مما يتولد منه الدم، فكان المنع منه من تمام الصوم.

فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص والإجماع، فدعواهم أن الشارع علق الحكم بما ذكروه من الأوصاف/ معارض بهذه الأوصاف، والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت