الصفحة 400 من 1087

الوجه الخامس: أنه ثبت بالنص والإجماع منع الصائم من الأكل والشرب والجماع، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب، وإذا أكل أو شرب اتسعت مجاري الشياطين؛ ولهذا قال: (فضيقوا مجاريه بالجوع) وبعضهم يذكر هذا اللفظ مرفوعًا؛ ولهذا قال النبي صلىلله عليه وسلم: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين) فإن مجاري الشياطين الذي هو الدم ضاقت، وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات التي بها تفتح أبواب الجنة، وإلى ترك المنكرات التي بها تفتح أبواب النار، وصفدت الشياطين، فضعفت قوتهم وعملهم بتصفيدهم، فلم يستطيعوا أن يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره، ولم يقل: إنهم قتلوا ولا ماتوا، بل قال: [صفدت] والمصفد من الشياطين قد يؤذى، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون في غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصه، فمن كان صومه كاملًا دفع الشيطان دفعًا لا يدفعه دفع الصوم الناقص، فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل /والشرب، والحكم ثابت على وفقه، وكلام الشارع قد دل على اعتبار هذا الوصف وتأثيره، وهذا المنع منتفٍ في الحقنة والكحل وغير ذلك.

فإن قيل: بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دمًا.

قيل: هذا كما قد يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ فيستحيل دمًا، وكالدهن الذي يشربه الجسم، والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة، فيستحيل دمًا ويتوزع على البدن.

ونجعل هذا وجهًا سادسًا، فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك على البخور والدهن ونحو ذلك؛ لجامع ما يشتركان فيه من أن ذلك ليس مما يتغذى به البدن ويستحيل في المعدة دمًا، وهذا الوصف هو الذي أوجب ألا تكون هذه الأمور مفطرة، وهذا موجود في محل النزاع، والفرع قد يتجاذبه أصلان فيلحق كلا منهما بما يشبهه من الصفات.

فإن قيل: هذا تطبخه المعدة ويستحيل دمًا ينمي عنه البدن لكنه غذاء ناقص، فهو كما لو أكل سما أو نحوه مما يضره، وهو بمنزلة من /أكل أكلًا كثيرا أورثه تخمة ومرضًا، فكان منعه في الصوم عن هذا أوكد؛ لأنه ممنوع عنه في الإفطار وبقى الصوم أوكد، وهذا كمنعه من الزنا، فإنه إذا منع من الوطء المباح فالمحظور أولى.

فإن قيل: فالجماع مفطر، وهذه العلة منتفية فيه.

قيل: تلك أحكام ثابتة بالنص والإجماع، فلا يحتاج إثباتها إلى القياس؛ بل يجوز أن تكون العلل مختلفة، فيكون تحريم الطعام والشراب والفطر بذلك لحكمة، وتحريم الجماع والفطر به لحكمة، والفطر بالحيض لحكمة، فإن الحيض لا يقال فيه: إنه يحرم: وهذا لأن المفطرات بالنص والإجماع لما انقسمت إلى أمور اختيارية تحرم على العبد كالأكل والجماع، وإلى أمور لا اختيار له فيها كدم الحيض، كذلك تنقسم عللها.

فنقول: أما الجماع فإنه باعتبار أنه سبب إنزال المني يجري مجرى الاستقاءة والحيض والاحتجام ـ كما سنبينه إن شاء الله تعالى ـ فإنه من نوع الاستفراغ لا الامتلاء كالأكل والشرب، ومن جهة أنه إحدى الشهوتين، فجرى مجرى الأكل والشرب، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الله ـ تعالى ـ (قال: الصوم لي وأنا أجزي/ به، يدع شهوته وطعامه من أجلي) فترك الإنسان ما يشتهيه لله هو عبادة مقصودة يثاب عليها كما يثاب المحرم على ترك ما اعتاده من اللباس والطيب ونحو ذلك من نعيم البدن، والجماع من أعظم نعيم البدن، وسرور النفس وانبساطها، هو يحرك الشهوة والدم والبدن أكثر من الأكل، فإذا كان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والغذاء يبسط الدم الذي هو مجاريه، فإذا أكل أو شرب انبسطت نفسه إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت