فهرس الكتاب
الشهوات، وضعفت إرادتها ومحبتها للعبادات، فهذا المعنى في الجماع أبلغ، فإنه يبسط إرادة النفس للشهوات، ويضعف إرادتها عن العبادات أعظم، بل الجماع هو غاية الشهوات، وشهوته أعظم من شهوة الطعام والشراب؛ ولهذا أوجب على المجامع كفارة الظهار، فوجب عليه العتق أو ما يقوم مقامه بالسنة والإجماع؛ لأن هذا أغلظ، وداعيه أقوى، والمفسدة به أشد، فهذا أعظم الحكمتين في تحريم الجماع.
وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ، فذاك حكمة أخرى، فصار فيهما كالأكل والحيض وهو في ذلك أبلغ منهما، فكان إفساده الصوم أعظم من إفساد الأكل والحيض.
فنذكر حكمة الحيض وجريان ذلك على وفق القياس، فنقول: إن الشرع جاء بالعدل في كل شيء، والإسراف في العبادات من الجور /الذي نهى عنه الشارع وأمر بالاقتصاد في العبادات؛ ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، ونهى عن الوصال وقال: (أفضل الصيام وأعدل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقَى) ، فالعدل في العبادات من أكبر مقاصد الشارع؛ ولهذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ} الآية [المائدة: 87] ، فجعل تحريم الحلال من الاعتداء المخالف للعدل، وقال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 161،160] ، فلما كانوا ظالمين عوقبوا بأن حرمت عليهم الطيبات؛ بخلاف الأمة الوسط العدل، فإنه أحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث.
وإذا كان كذلك، فالصائم قد نهى عن أخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب، فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التي بها يتغذى، وإلا فإذا مكن من هذا ضره وكان متعديًا في عبادته لا عادلًا.
والخارجات نوعان: نوع يخرج لا يقدر على الاحتراز منه أو على وجه لا يضره، فهذا لا يمنع منه كالأخبثين، فإن خروجهما لا يضره، ولا يمكنه الاحتراز منه ـ أيضا، ولو استدعى خروجهما فإن خروجهما لا يضره بل ينفعه، وكذلك إذا ذرعه القيء لا يمكنه الاحتراز منه، وكذلك الاحتلام /في المنام لا يمكنه الاحتراز منه، وأما إذا استقاء فالقيء يخرج ما يتغذى به من الطعام والشراب المستحيل في المعدة، وكذلك الاستمناء مع ما فيه من الشهوة فهو يخرج المني الذي هو مستحيل في المعدة عن الدم، فهو يخرج الدم الذي يتغذى به؛ ولهذا كان خروج المني إذا أفرط فيه يضر الإنسان ويخرج أحمر.
والدم الذي يخرج بالحيض فيه خروج الدم، والحائض يمكنها أن تصوم في غير أوقات الدم في حال لا يخرج فيها دمها، فكان صومها في تلك الحال صوما معتدلا لا يخرج فيه الدم الذي يقوى البدن الذي هو مادته، وصومها في الحيض يوجب أن يخرج فيه دمها الذي هو مادتها، ويوجب نقصان بدنها وضعفها وخروج صومها عن الاعتدال، فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض.
بخلاف المستحاضة؛ فإن الاستحاضة تعم أوقات الزمان، وليس لها وقت تؤمر فيه بالصوم، وكان ذلك لا يمكن الاحتراز منه ـ كذرع القيء، وخروج الدم بالجراح والدمامل والاحتلام ونحو ذلك مما ليس له وقت محدد يمكن الاحتراز منه ـ فلم يجعل هذا منافيا للصوم كدم الحيض.
/وطرد هذا: إخراج الدم بالحجامة والفصاد ونحو ذلك، فإن العلماء متنازعون في الحجامة: هل تفطر الصائم أم لا؟ والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) كثيرة قد بينها الأئمة الحفاظ.