الصفحة 402 من 1087

وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، وكان منهم من لا يحتجم إلا بالليل. وكان أهل البصرة إذا دخل شهر رمضان أغلقوا حوانيت الحجامين. والقول بأن الحجامة تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث ـ كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن خزيمة، وابن المنذر وغيرهم.

وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به أخص الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما ثبت في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم، وأحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة، وهي قوله: [وهو صائم] ، وقالوا: الثابت أنه احتجم وهو محرم، قال أحمد: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم حديث مقسم في الحجامة للصائم، يعنى حديث شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم.

/قال مهنا: سألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم، فقال: ليس بصحيح. وقد أنكره يحيى ابن سعيد الأنصارى. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله رد هذا الحديث فضعفه، وقال: كانت كتب الأنصاري ذهبت في أيام المنتصر، فكان بعد يحدث من كتب غلامه، وكان هذا من تلك.

وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث قبيصة، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. . . إلخ فقال: هو خطأ من قبل قبيصة. وسألت يحيى عن قبيصة فقال: رجل صدق، والحديث الذي يحدث به عن سفيان عن سعيد خطأ من قبله.

قال مهنا: سألت أحمد عن حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم صائم، فقال: ليس فيه: صائم، إنما هو محرم، ذكره سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم على رأسه وهو محرم ـ عن طاوس وعطاء مثله عن ابن عباس، وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله، وهؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون: صائما.

/قلت: وهذا الذي ذكره الإمام أحمد هو الذي اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم؛ ولهذا أعرض مسلم عن الحديث الذي ذكر حجامة الصائم، ولم يثبت إلا حجامة المحرم. وتأولوا أحاديث الحجامة بتأويلات ضعيفة، كقولهم: كانا يغتابان، وقولهم: أفطر لسبب آخر. وأجود ما قيل: ما ذكره الشافعي وغيره أن هذا منسوخ، فإن هذا القول كان في رمضان، واحتجامه وهو محرم كان بعد ذلك؛ لأن الإحرام بعد رمضان، وهذا ـ أيضا ـ ضعيف، بل هو صلوات الله عليه أحرم سنة ست عام الحديبية بعمرة في ذي القعدة، وأحرم من العام القابل بعمرة القضية في ذي القعدة، وأحرم من العام الثالث سنة الفتح من الجعرانة في ذي القعدة بعمرة، وأحرم سنة عشر بحجة الوداع في ذى القعدة، فاحتجامه صلى الله عليه وسلم وهو محرم صائم لم يبين في أى الإحرامات كان.

والذي يقوى أن إحرامه الذي احتجم فيه كان قبل فتح مكة، قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، فإنه كان عام الفتح بلا ريب هكذا في أجود الأحاديث. وروى أحمد بإسناده، عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل يحتجم في رمضان قال: (أُفطر الحاجم والمحجوم) .

/وقال أحمد: أنبأنا إسماعيل، عن خالد الحذاء، عن أبى قلابة، عن الأشعث، عن شداد ابن أوس أنه مر مع النبي صلى الله عليه وسلم زمن الفتح على رجل محتجم بالبقيع لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم) وقال الترمذى: سألت البخارى، فقال: ليس في هذا الباب أصح من حديث شداد بن أوس وحديث ثوبان، فقلت: وما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندى صحيح؛ لأن يحيى بن سعيد روى عن أبى قلابة، عن أبى أسماء، عن ثوبان، عن أبى الأشعث، عن شداد الحديثين جميعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت