الصفحة 40 من 1087

حيًا. فاستكان لها أبو جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، أستقْبِلُ القبلة وأدعوا؟ أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك اللّه، قال اللّه تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 64] . قلت وهذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازى لم يَدرك مالكا، لاسيما في زمن أبى جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفى بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وتوفى مالك سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفى محمد بن حميد الرازى سنة ثمان وأربعين ومائتين، ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه، وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذبه أبو زُرْعَة، وابن وارة، وقال صالح بن محمد الأسدى: ما رأيت أحدًا أجرأ على الله منه وأحذق بالكذب منه. وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير. وقال النسائى: ليس بثقة. وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات. وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبو مصعب وتوفى سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد بن إسماعيل السهمى توفى سنة تسع وخمسين ومائتين. وفى الإسناد أيضًا من لا تعرف حاله.

وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته؟! هذا إذا ثبت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم، ومروان بن محمد الطاطرى ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه وهو ضعيف عند أهل الحديث؟

مع أن قوله: (وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ــ عليه السلام ــ إلى اللّه يوم القيامة"إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة، وهذا هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، وهذا حق، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة حين تأتى الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كما قال:(أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائى يوم القيامة ولا فخر) ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه:"

أحدها: قوله: (أستقبلُ القبلة وأدعُو، أم أستقبلُ رسول اللّه وأدعُو؟) فقال:"ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم). فإن المعروف عن مالك وغيره من الأئمة وسائر السلف من الصحابة والتابعين، أن الداعى إذا سلم على النبى صلى الله عليه وسلم ثم أراد أن يدعوا لنفسه فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر ويدعو لنفسه، بل إنما يستقبل القبر عند السلام على النبى صلى الله عليه وسلم والدعاء له. هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعى وأحمد وغيرهم."

وعند أصحاب أبى حنيفة لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضًا.

ثم منهم من قال: يجعل الحجرة على يساره ــ وقد رواه ابن وهب عن مالك ــ ويسلم عليه.

ومنهم من قال: بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه، وهذا هو المشهور عندهم، ومع هذا فَكَرِهَ مالك أن يطيل القيام عند القبر لذلك. قال القاضى عياض في المبسوط عن مالك قال: (لا أرى أن يقف عند قبر النبى صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم ويمضى) قال: وقال نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر، رأيته مائة مرة أو أكثر يجىء إلى القبر فيقول: السلام على النبى صلى الله عليه وسلم، السلام على أبى بكر، السلام على أبى. ثم ينصرف. ورؤى واضعا يده على مقعد النبى صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم وضعها على وجهه. قال: وعن ابن أبى قُسَيْط والَقَعْنَبِى كان أصحاب النبى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت