فهرس الكتاب
صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسوا برمانة المنبر التى تلقاء القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون. قال: وفى الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثى أنه كان ــ يعنى ابن عمر ــ يقف على قبر النبى صلى الله عليه وسلم فيصلى على النبى صلى الله عليه وسلم وعلى أبى بكر وعمر، وعند ابن القاسم والقعنبى: ويدعو لأبى بكر وعمر. قال مالك في رواية ابن وهب: يقول: السلام عليك أيها النبى ورحمة اللّه وبركاته. وقال في المبسوط: ويسلم على أبى بكر وعمر.
قال أبو الوليد الباجى: وعندى أن يدعو للنبى صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة ولأبى بكر وعمر بلفظ السلام لما في حديث ابن عمر من الخلاف. وهذا الدعاء يفسر الدعاء المذكور في رواية ابن وهب، قال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلم على النبى صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر. فهذا هو السلام عليه والدعاء له بالصلاة عليه ــ كما تقدم تفسيره.
وكذلك كل دعاء ذكره أصحابه كما ذكر ابن حبيب في الواضحة وغيره قال: وقال مالك في المبسوطة: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغرباء. وقال فيه أيضا: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر، أن يقف على قبر النبى صلى الله عليه وسلم فيصلى عليه ويدعو له ولأبى بكر وعمر. قيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة. فقال مالك: لم يبلغنى هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغنى عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها، أو دخلوا أتو القبر فسلموا، قال: ولذلك رأى. . .
/قال أبو الوليد الباجى: ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم.
قال: وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قال: وقال النبى صلى الله عليه وسلم (لا تجعلوا قبرى عيدًا) . قال: ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلا، وفى [العتبية] يعنى عن مالك: يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبى صلى الله عليه وسلم، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبى صلى الله عليه وسلم حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إلى من التنفل في البيوت.
فهذا ــ قول مالك وأصحابه وما نقلوه عن الصحابة ــ يبين أنهم لم يقصدوا القبر إلا للسلام على النبى صلى الله عليه وسلم والدعاء له. وقد كره مالك إطالة القيام لذلك، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له، فإنه تحية للنبى صلى الله عليه وسلم.
فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة، كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبى صلى الله عليه وسلم، فكيف بدعائه لنفسه.
/وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لوكان قصد الدعاء عند القبر مشروعًا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟