الصفحة 42 من 1087

فدل ذلك على أن ما في الحكاية المنقطعة من قوله: [استقبله واستشفع به] كذب على مالك، مخالف لأقواله وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التى يفعلها مالك وأصحابه ونقلها سائر العلماء؛ إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه، فضلًا عن أن يستقبله ويستشفع به يقول له: يا رسول الله، اشفع لى أو ادع لى، أو يشتكى إليه مصائب الدين والدنيا، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له، أو يشتكى إليهم المصائب، فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين، وإن كانوا يسلمون عليه، إذ كان يسمع السلام عليه من القريب ويُبَلَّغُ سلام البعيد.

وقد احتج أحمد وغيره بالحديث الذى رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد من حديث حَيْوَة بن شُرَيْح المصرى: حدثنا أبو صخر، عن يزيد بن قُسَيط، عن أبى هريرة ــ رضى الله عنه ــ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من أحد يسلم علىّ إلا رد الله علىّ روحى حتى أرد عليه السلام) . وعلى هذا الحديث اعتمد الأئمة في السلام عليه عند قبره صلوات الله وسلامه عليه، فإن أحاديث زيارة قبره كلها ضعيفة لا يعتمد على شىء منها في الدين. ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شىئًا منها، وإنما يرويها من يروى الضعاف كالدارقطنى والبزار وغيرهما.

وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عمر العمرى ــ وهو ضعيف والكذب ظاهر عليه ــ مثل قوله: (من زارنى بعد مماتى فكأنما زارنى في حياتى) ، فإن هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين، فإن من زاره في حياته وكان مؤمنًا به كان من أصحابه، لا سيما إن كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لاتسبوا أصحابى، فوالذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفه) أخرجاه في الصحيحين.

والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه، فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين؟ بل ولا شرع السفر إليه، بل هو منهي عنه.

وفى الباب آثار عن السلف أكثرها ضعيفة.

فمنها حديث الأربعة الذين اجتمعوا عند الكعبة وسألوا، وهم: عبد الله ومصعب ابنا الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الملك بن مروان، وذكره ابن أبى الدنيا في كتاب [مجابى الدعاء] ورواه من طريق إسماعيل بن أبان الغنوى، عن سفيان الثورى عن طارق بن عبد العزيز عن الشعبى أنه قال: لقد رأيت عجبًا، كنا بفناء الكعبة أنا وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان، فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم كل رجل منكم فليأخذ بالركن اليمانى، وليسأل الله حاجته فإنه يعطى من سعة. ثم قالوا: قم يا عبد الله بن الزبير فإنك أول مولود في الإسلام بعد الهجرة، فقام فأخذ بالركن اليمانى ثم قال: اللهم إنك عظيم ترجى لكل عظيم، أسألك بحرمة وجهك وحرمة عرشك وحرمة نبيك ألا تميتنى من الدنيا حتى تولينى الحجاز، ويسلم على بالخلافة، ثم جاء فجلس.

ثم قام مصعب فأخذ بالركن اليمانى ثم قال: اللهم إنك رب كل شىء، وإليك يصير كل شىء، أسألك بقدرتك على كل شىء، ألا تميتنى من الدنيا حتى تولينى العراق وتزوجنى بسكينة بنت الحسين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت