فهرس الكتاب
ثم قام عبد الملك بن مروان فأخذ بالركن اليمانى ثم قال: اللهم رب السموات السبع، ورب الأرض ذات النبت بعد القفر، أسألك بما سألك به عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحقك على خلقك. وبحق الطائفين حول عرشك. . . إلى آخره.
قلت: وإسماعيل بن أبان الذى روى هذا عن سفيان الثورى كذاب، قال أحمد بن حنبل: كتبت عنه، ثم حدث بأحاديث موضوعة فتركناه. وقال يحىى بن معين: وضع حديثا على السابع من ولد العباس يلبس الخضرة يعنى المأمون، وقال البخارى ومسلم وأبو زرعة والدارقطنى: متروك. وقال الجوزجانى: ظهر منه على الكذب. وقال أبو حاتم: كذاب. وقال ابن حبان: يضع على الثقات. وطارق بن عبد العزيز الذى ذكر أن الثورى روى عنه لا يعرف من هو. قال: فإن طارق بن عبد العزيز المعروف الذى روى عنه ابن عجلان ليس من هذه الطبقة.
وقد خولف فيها فرواها أبو نعيم عن الطبرانى: حدثنا أحمد بن زيد بن الجريش، حدثنا أبو حاتم السجستانى، حدثنا الأصمعى قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله أبناء الزبير وعبد الله بن عمر فقالوا: تمنوا. فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عنى العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنال كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر له). قلت: وهذا إسناد خير من ذاك الإسناد باتفاق أهل العلم، وليس فيه سؤال بالمخلوقات.
وفى الباب حكايات عن بعض الناس أنه رأى مناما قيل له فيه: ادع بكذا وكذا، ومثل هذا لا يجوز أن يكون دليلًا باتفاق العلماء، وقد ذكر بعض هذه الحكايات من جمع الأدعية، وروى في ذلك أثر عن بعض السلف مثل ما رواه /ابن أبى الدنيا في كتاب [مجابي الدعاء] ، قال: حدثنا أبو هاشم، سمعت كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة يقول: جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر فجس بطنه فقال: بك داء لا يبرأ. قال: ما هو؟ قال: الدُّبَيْلة [الدبيلة: داء في الجوف. انظر: القاموس المحيط، مادة [دبل] ].
قال: فتحول الرجل فقال: الله، الله، الله ربى لا أشرك به شيئا، اللهم إنى أتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة صلى الله عليه وسلم تسليما، يا محمد، إنى أتوجه بك إلى ربك وربى يرحمنى مما بى. قال: فجس بطنه فقال: قد برئت، ما بك علة.
قلت: فهذا الدعاء ونحوه قد روى أنه دعا به السلف، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروزى التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم في الدعاء، ونهى عنه آخرون. فإن كان مقصود المتوسلين التوسل بالإيمان به وبمحبته وبموالاته وبطاعته فلا نزاع بين الطائفتين، وإن كان مقصودهم التوسل بذاته فهو محل النزاع، وما تنازعوا فيه يرد إلى الله والرسول.
وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ في الشريعة، فإن كثيرا من الناس يدعون من دون الله من الكواكب والمخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضهم، وبعض الناس يقصدون الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك، ويدعو التماثيل التى في الكنائس، ويحصل ما يحصل من غرضه، وبعض الناس يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضهم. فحصول الغرض ببعض الأمور لا يستلزم إباحته، وإن كان الغرض مباحًا، فإن ذلك الفعل قد يكون فيه مفسدة راجحة على مصلحته، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فجميع المحرمات من الشرك والخمر والميسر والفواحش والظلم قد يحصل لصاحبه به منافع ومقاصد، لكن لما كانت مفاسدها راجحة على