الصفحة 44 من 1087

مصالحها، نهى الله ورسوله عنها، كما أن كثيرًا من الأمور كالعبادات والجهاد وإنفاق الأموال قد تكون مضرة، لكن لما كانت مصلحته راجحة على مفسدته أمر به الشارع.

فهذا أصل يجب اعتباره، ولا يجوز أن يكون الشىء واجبا أو مستحبا إلا بدليل شرعى يقتضى إيجابه أو استحبابه. والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة. والدعاء لله تعالى عبادة إن كان المطلوب به أمرا مباحا.

وفى الجملة، فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به، بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم، فهذا مما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا رخص فيه أحد من أئمة المسلمين.

وحديث الأعمى الذى رواه الترمذى والنسائى هو من القسم الثانى من التوسل بدعائه، فإن الأعمى قد طلب من النبى صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره، فقال له: (إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك) فقال: بل ادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلى ركعتين ويقول: (اللهم إنى أسألك بنبيك نبى الرحمة، يا محمد، يا رسول الله، إنى أتوجه بك إلى ربى في حاجتى هذه ليقضيها، اللهم فشفعه فىّ) فهذا توسل بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم وشفاعته، ودعا له النبى صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: (وشفعه فىّ) فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه.

وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبى صلى الله عليه وسلم ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه صلى الله عليه وسلم ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره.

وهذا الحديث ـ حديث الأعمى ـ قد رواه المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقى وغيره: رواه البيهقى من حديث عثمان بن عمر، عن شعبة، عن أبى جعفر الخطمى، قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف، أن رجلا ضريرًا أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافينى، فقال له: (إن شئت أخَّرْت ذلك فهو خير لك، وإن شئت دعوت) قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلى ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة، يا محمد، إنى أتوجه بك إلى ربى في حاجتى هذه فيقضيها لى، اللهم فشفعه في وشفعنى فيه) قال: فقام وقد أبصر، ومن هذا الطريق رواه الترمذى من حديث عثمان بن عمر.

ومنها: ما رواه النسائى وابن ماجه أيضا، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبى جعفر وهو غير الخطمى، هكذا وقع في الترمذى، وسائر العلماء قالوا: هو أبو جعفر الخطمى وهو الصواب، وأيضا فالترمذى ومن معه لم يستوعبوا لفظه كما استوعبه سائر العلماء، بل رووه إلى قوله: (اللهم شفعه فى) .

قال الترمذى: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبى جعفر، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف، أن رجلا ضرير البصر أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافينى قال: (إن شئت صبرت فهو خير لك) قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة، يا محمد، إنى توجهت بك إلى ربى في حاجتى هذه لتقضى، اللهم شفعه فى) ، قال البيهقى: رويناه فى [كتاب الدعوات] بإسناد صحيح عن روح بن عبادة عن شعبة، قال: ففعل الرجل فبرأ، قال: وكذلك رواه حماد ابن سلمة عن أبى جعفر الخطمى.

قلت: ورواه الإمام أحمد في مسنده عن روح بن عبادة كما ذكره البيهقى، قال أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، عن أبى جعفر المدينى، سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف: أن رجلا ضريرًا أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبى الله، ادع الله أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت