فهرس الكتاب
ولهذا لما نذرت أخت عقبة بن عامر أن تحج ماشية حافية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن اللّه لغني عن تعذيب أختك نفسها، مرها فلتركب) ، وروي: أنه أمرها بالهدى، وروي: بالصوم. وكذا حديث جويرية في تسبيحها بالحصى، أو النوى، وقد دخل عليها ضحى، ثم دخل عليها عشية، فوجدها على تلك الحال. وقوله لها: (لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لرجحت) .
وأصل ذلك: أن يعلم العبد أن اللّه لم يأمرنا إلا بما فيه صلاحنا، ولم ينهنا إلا عما فيه فسادنا؛ ولهذا يثنى اللّه على العمل الصالح، ويأمر بالصلاح والإصلاح، وينهي عن الفساد.
فاللّه ـ سبحانه ـ إنما حرم علينا الخبائث لما فيها من المضرة والفساد، وأمرنا بالأعمال الصالحة لما فيها من المنفعة والصلاح لنا. وقد لا تحصل هذه الأعمال إلا/ بمشقة، كالجهاد، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطلب العلم، فيحتمل تلك المشقة، ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع: (أَجْرُكِ على قدر نَصَبك) . وأما إذا كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقته، فهذا فساد، واللّه لا يحب الفساد.
ومثال ذلك منافع الدنيا، فإن من تحمل مشقة لربح كثير، أو دفع عدو عظيم، كان هذا محمودًا، وأما من تحمل كلفًا عظيمة، ومشاقًا شديدة، لتحصيل يسير من المال، أو دفع يسير من الضرر، كان بمنزلة من أعطى ألف درهم، ليعتاض بمائة درهم. أو مشى مسيرة يوم، ليتغدى غدوة يمكنه أن يتغدى خيرًا منها في بلده.
فالأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل، والاقتصاد، والتوسط الذي هو خير الأمور وأعلاها كالفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، فمن كان كذلك، فمصيره إليه إن شاء اللّه ـ تعالى.
هذا في كل عبادة لا تقصد لذاتها، مثل الجوع، والسهر، والمشي.
وأما ما يقصد لنفسه مثل معرفة اللّه، ومحبته، والإنابة إليه، /والتوكل عليه، فهذه يشرع فيها الكمال، لكن يقع فيها سرف، وعدوان، بإدخال ما ليس منها فيها، مثل أن يدخل ترك الأسباب المأمور بها في التوكل، أو يدخل استحلال المحرمات، وترك المشروعات في المحبة، فهذا هذا. واللّه ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم.
وسئل شيخُ الإِسلام عما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل، والاغتسال، والحِنَّاء، والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك إلى الشارع، فهل ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك، فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ وما تفعله الطائفة الأخرى من المأتم والحزن والعطش، وغير ذلك من الندب والنياحة، وقراءة المصروع، وشق الجيوب. هل لذلك أصل أم لا؟
فأجاب:
الحمد للّه رب العالمين، لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعين، لا صحيحًا ولا ضعيفًا، لا في كتب الصحيح /ولا في السنن ولا المسانيد، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة.
ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، وأمثال ذلك.