فهرس الكتاب
ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء، ورووا أن في يوم عاشوراء توبة آدم، واستواء السفينة على الجُودِيِّ، ورد يوسف على يعقوب، وإنجاء إبراهيم من النار، وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك.
ورووا في حديث موضوع مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع اللّه عليه سائر السنة. ورواية هذا كله عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب، ولكنه معروف من رواية سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه، قال: بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء، وسع اللّه عليه سائر سنته، وإبراهيم بن محمد بن المنتشر من أهل الكوفة، وأهل الكوفة كان فيهم طائفتان:
/طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت، وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة، وإما جهال وأصحاب هوى.
وطائفة ناصبة تبغض عليًّا وأصحابه؛ لما جرى من القتال في الفتنة ما جرى.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سيكون في ثَفِيف كَذّابٌ، وَمُبِيرٌ) ، فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان يظهر موالاة أهل البيت، والانتصار لهم، وقتل عبيد اللّه بن زياد ـ أمير العراق ـ الذي جهز السرية التي قتلت الحسين ابن على ـ رضي اللّه عنهما ـ ثم إنه أظهر الكذب، وادعى النبوة، وأن جبريل عليه السلام ينزل عليه، حتى قالوا لابن عمر وابن عباس، قالوا لأحدهما: إن المختار بن أبي عبيد يزعم أنه ينزل عليه، فقال: صدق، قال اللّه تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء: 221،222] ، وقالوا للآخر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121] .
وأما المبير، فهو الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان منحرفًا عن على وأصحابه، فكان هذا من النواصب، والأول من الروافض، وهذا /الرافضي كان أعظم كذبًا وافتراء وإلحادًا في الدين، فإنه ادعى النبوة، وذاك كان أعظم عقوبة لمن خرج على سلطانه، وانتقامًا لمن اتهمه بمعصية أميره عبد الملك بن مروان، وكان في الكوفة بين هؤلاء وهؤلاء فتن وقتال، فلما قُتِل الحسين بن على ـ رضي الله عنهما ـ يوم عاشوراء قتلته الطائفة الظالمة الباغية، وأكرم اللّه الحسين بالشهادة، كما أكرم بها من أكرم من أهل بيته، أكرم بها حمزة وجعفر، وأباه عليا وغيرهم، وكانت شهادته مما رفع اللّه بها منزلته، وأعلى درجته، فإنه هو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة، والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الناس أشد بلاء؟ فقال: (الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رِقةٌ خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة) رواه الترمذي وغيره.
فكان الحسن والحسين قد سبق لهما من اللّه ـ تعالى ـ ما سبق من المنزلة العالية، ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب، فإنهما ولدا في عز الإسلام، وتربيا في عز وكرامة، والمسلمون يعظمونهما ويكرمونهما، ومات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستكملا سن التمييز،/ فكانت نعمة اللّه عليهما أن ابتلاهما بما يلحقهما بأهل بيتهما، كما ابتلى من كان أفضل منهما، فإن علي بن أبي طالب أفضل منهما، وقد قتل شهيدًا، وكان مقتل الحسين مما ثارت به الفتن بين الناس، كما كان مقتل عثمان ـ رضي اللّه عنه ـ من أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن بين الناس، وبسببه تفرقت الأمة إلى اليوم؛ ولهذا جاء في الحديث: (ثلاث من نجا منهن فقد نجا: موتي، وقتل خليفة مضطهد، والدجال) .