فهرس الكتاب
فكان موت النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الأسباب التي افتتن بها خلق كثير من الناس، وارتدوا عن الإسلام، فأقام اللّه ـ تعالى ـ الصديق ـ رضي اللّه عنه ـ حتى ثبت اللّه به الإيمان، وأعاد به الأمر إلى ما كان، فأدخل أهل الردة في الباب الذي منه خرجوا، وأقر أهل الإيمان على الدين الذي ولجوا فيه، وجعل اللّه فيه من القوة والجهاد والشدة على أعداء اللّه، واللين لأولياء اللّه ما استحق به وبغيره أن يكون خليفة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
ثم استخلف عمر، فقهر الكفار من المجوس وأهل الكتاب، وأعز الإسلام، ومصر الأمصار، وفرض العطاء، ووضع الديوان، ونشر العدل، وأقام السنة، وظهر الإسلام في أيامه ظهورًا بان به تصديق قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28] ، وقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصرُ فلا قيصرَ بعده، والذي نفسي بيده لَتُنْفَقَنَ كُنُوُزَهَما في سبيل اللّه) . فكان عمر ـ رضي الله عنه ـ هو الذي أنفق كنوزهما، فعلم أنه أنفقها في سبيل اللّه، وأنه كان خليفة راشدًا مهديًا، ثم جعل الأمر شورى في ستة، فاتفق المهاجرون والأنصار على تقديم عثمان بن عفان من غير رغبة بذلها لهم، ولا رهبة أخافهم بها، وبايعوه بأجمعهم طائعين غير كارهين، وجرى في آخر أيامه أسباب ظهر بالشر فيها على أهل العلم أهل الجهل والعدوان، ومازالوا يسعون في الفتن حتى قتل الخليفة مظلومًا شهيدًا بغير سبب يبيح قتله وهو صابر محتسب، لم يقاتل مسلمًا.
فلما قُتِلَ ـ رضي اللّه عنه ـ تفرقت القلوب، وعظمت الكروب، وظهرت الأشرار، وذل الأخيار، وسعى في الفتنة من كان عاجزًا عنها، وعجز عن الخير والصلاح من كان يحب إقامته، فبايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه ـ وهو أحق الناس بالخلافة حينئذ، /وأفضل من بقى، لكن كانت القلوب متفرقة، ونار الفتنة متوقدة، فلم تتفق الكلمة، ولم تنتظم الجماعة، ولم يتمكن الخليفة وخيار الأمة من كل ما يريدونه من الخير، ودخل في الفرقة والفتنة أقوام، وكان ما كان إلى أن ظهرت الحَرُورية المارقة، مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم، فقاتلوا أمير المؤمنين عليًا ومن معه، فقتلهم بأمرالله ورسوله، طاعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما وصفهم بقوله: (يَحْقِرُ أحَدُكُم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآنَ لا يجاوز حَنَاجِرَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة) ، وقوله: (تمرق مَارقةٌ على حين فرقة من المسلمين، يقتلهم أدنى الطائفتين إلىلحق) أخرجاه في الصحيحين.
فكانت هذه الحَرُورية هي المارقة، وكان بين المؤمنين فُرْقة، والقتال بين المؤمنين لا يخرجهم من الإيمان، كما قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 9،10] فبين ـ سبحانه وتعإلىـ أنهم مع الاقتتال وبغي بعضهم /على بعض مؤمنون إخوة، وأمر بالإصلاح بينهم، فإن بغت إحداهما بعد ذلك قوتلت الباغية، ولم يأمر بالاقتتال ابتداء.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الطائفة المارقة يقتلها أدنى الطائفتين إلىلحق، فكان على بن أبي طالب ومن معه هم الذين قاتلوهم، فدل كلام النبي صلى الله عليه سلم على أنهم أدنى إلىلحق من معاوية ومن معه مع إيمان الطائفتين.