الصفحة 411 من 1087

ثم إن عبد الرحمن بن ملجم من هؤلاء المارقين، قتل أمير المؤمنين عليا، فصار إلىكرامة الله ورضوانه شهيدًا، وبايع الصحابة للحسن ابنه، فظهرت فضيلته التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه سلم في الحديث الصحيح حيث قال: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) فنزل عن الولاية وأصلح الله به بين الطائفتين، وكان هذا مما مدحه به النبي صلى الله عليه سلم وأثني عليه، ودل ذلك على أن الإصلاح بينهما مما يحبه الله ورسوله ويحمده الله ورسوله.

ثم إنه مات وصار إلىكرامة الله ورضوانه، وقامت طوائف كاتبوا الحسين ووعدوه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر، ولم يكونوا من أهل /ذلك، بل لما أرسل إليهم ابن عمه أخلفوا وعده، ونقضوا عهده، وأعانوا عليه ن وعدوه أن يدفعوه عنه، ويقاتلوه معه.

وكان أهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباس وابن عمر وغيرهما أشاروا عليه ألا يذهب إليهم، ولا يقبل منهم، ورأوا أن خروجه إليهم ليس بمصلحة، ولا يترتب عليه ا يسر، وكان الأمر كما قالوا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

فلما خرج الحسين ـ رضي الله عنه ـ ورأي أن الأمور قد تغيرت، طلب منهم أن يدعوه يرجع، أو يلحق ببعض الثغور، أو يلحق بابن عمه يزيد، فمنعوه هذا وهذا، حتي يستأسر، وقاتلوه، فقاتلهم، فقتلوه وطائفة ممن معه مظلومًا شهيدًا شهادة أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه واعتدي عليه، وأوجب ذلك شرًا بين الناس.

فصارت طائفة جاهلة ظالمة، إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية، تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود، وشق الجيوب، والتعزي بعزاء الجاهلية.

/والذي أمر الله به ورسوله في المصيبة ـ إذا كانت جديدة ـ إنما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع، كما قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إليهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عليهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155،157] ، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال: (ليس منا من لطم الخدودَ، وشق الجيوبَ، ودعا بدعوي الجاهلية) ، وقال: (أنا بريء من الصالقةِ، والحَالِقةِ، والشاقةِ) ، وقال: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب) . وفي المسند عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين، عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قال: (ما من رجل يصاب بمصيبة، فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيحدث لها استرجاعًا، إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها) .

وهذا من كرامة الله للمؤمنين، فإن مصيبة الحسين وغيره إذا ذكرت بعد طول العهد، فينبغي للمؤمن أن يسترجع فيها كما أمر الله ورسوله ليعطي من الأجر مثل أجر المصاب يوم أصيب بها.

وإذا كان الله ـ تعإلىـ قد أمر بالصبر والاحتساب عند حدثان العهد /بالمصيبة، فكيف مع طول الزمان؟! فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتمًا، وما يصنعون فيه من الندب والنياحة، وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب، وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتوسل بذلك إلىسب السابقين الأولين، وكثرة الكذب والفتن في الدنيا، ولم يعرف طوائف الإسلام أكثر كذبًا وفتنًا ومعاونة للكفار على أهل الإسلام من هذه الطائفة الضالة الغاوية، فإنهم شر من الخوارج المارقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت