الصفحة 417 من 1087

التي فيها ذلك باتفاق أئمة / المسلمين؛ بل الصلاة في المساجد التي على القبور إما محرمة، وإما مكروهة.

والزيارة البدعية: أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو يقصد الدعاء به، فهذا ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها، وقد كره مالك وغيره أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا اللفظ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل الأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل قوله: (من زارني، وزار أبي إبراهيم في عام واحد، ضمنت له على اللّه الجنة) وقوله: (من زارني بعد مماتي، فكأنما زارني في حياتي، ومن زارني بعد مماتي، حلت عليه شفاعتي) ونحو ذلك، كلها أحاديث ضعيفة، بل موضوعة، ليست في شيء من دواوين الإسلام، التي يعتمد عليها، ولا نقلها إمام من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولكن روي بعهضا البزار، والدارقطني، ونحوهما بأسانيد ضعيفة، ولأن من عادة الدارقطني وأمثاله، يذكرون هذا في السنن ليعرف، وهو وغيره يبينون ضعف الضعيف من ذلك، فإذا كانت هذه الأمور التي فيها شرك وبدعة نهي عنها عند قبره، وهو أفضل الخلق، فالنهي عن ذلك عند قبر غيره أولي وأحري.

/ويستحب أن يأتي مسجد قباء، ويصلي فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تطهر في بيته، وأحسن الطهور، ثم أتي مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه، كان له كأجر عمرة) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلاة في مسجد قباء كعمرة) قال الترمذي: حسن.

والسفر إلى المسجد الأقصي، والصلاة فيه، والدعاء، والذكر، والقراءة، والاعتكاف، مستحب في أي وقت شاء، سواء كان عام الحج، أو بعده. ولا يفعل فيه وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما يفعل في سائر المساجد. وليس فيها شيء يتمسح به، ولا يقَبل ولا يطاف به، هذا كله ليس إلا في المسجد الحرام خاصة، ولا تستحب زيارة الصخرة، بل المستحب أن يصلي في قبلي المسجد الأقصى الذي بناه عمر بن الخطاب للمسلمين.

ولا يسافر أحد ليقف بغير عرفات، ولا يسافر للوقوف بالمسجد الأقصي، ولا للوقوف عند قبر أحد، لا من الأنبياء، ولا المشايخ، ولا غيرهم، باتفاق المسلمين، بل أظهر قولي العلماء أنه لا يسافر أحد لزيارة قبر من القبور.

ولكن تزار القبور الزيارة الشرعية، من كان قريبًا، ومن اجتاز /بها، كما أن مسجد قباء يزار من المدينة، وليس لأحد أن يسافر إليه لنهيه صلى الله عليه وسلم أن تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة.

وذلك أن الدين مبني على أصلين: ألا يعبد إلا اللّه وحده لا شريك له، ولا يعبد إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالي: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] . ولهذا كان عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل فيه لأحد شيئًا. وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالي: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] . قال: أخلصه، وأصوبه. قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا، ولم يكن صوابا، لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتي يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون للّه، والصواب أن يكون على السنة، وقد قال اللّه تعالي: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشوري: 21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت