الصفحة 418 من 1087

والمقصود بجميع العبادات أن يكون الدين كله للّه وحده، فاللّه هو المعبود، والمسؤول الذي يخاف ويرجي، ويسأل ويعبد، فله الدين خالصًا، وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرهًا، والقرآن مملوء من هذا، كما قال تعالي: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} إلى قوله: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي} إلى قوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 164] . وقال تعالي: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ} الآيتين [آل عمران: 79،80] ، وقال تعالي: {ققُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ} الآيتين. [الإسراء: 56،57] .

قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدْعُون الملائكة، والأنبياء، كالمسيح، والعزيز، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، وقال تعالي: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} الآيات. [الأنبياء: 26 وما بعدها] . ومثل هذا في القرآن كثير؛ بل هذا مقصود القرآن، ولبه، وهو مقصود دعوة الرسل كلهم، وله خلق الخلق، كما قال تعالي: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]

فيجب على المسلم أن يعلم أن الحج من جنس الصلاة ونحوها من العبادات، التي يعبد اللّه بها وحده لا شريك له، وأن الصلاة على الجنائز وزيارة قبور الأموات من جنس الدعاء لهم، والدعاء للخلق من جنس المعروف والإحسان، الذي هو من جنس الزكاة.

والعبادات التي أمر اللّه بها توحيد وسنة، وغيرها فيها شرك/ وبدعة، كعبادات النصاري، ومن أشبههم مثل قصد البقعة لغير العبادات التي أمر اللّه بها، فإنه ليس من الدين، ولهذا كان أئمة العلماء يعدون من جملة البدع المتكررة السفر لزيارة قبور الأنبياء، والصالحين، وهذا في أصح القولين غير مشروع، حتي صرح بعض من قال ذلك أن من سافر هذا السفر لا يقصر فيه الصلاة؛ لأنه سفر معصية. وكذلك من يقصد بقعة لأجل الطلب من مخلوق، هي منسوبة إليه، كالقبر، والمقام أو لأجل الاستعاذة به، ونحو ذلك، فهذا شرك وبدعة، كما تفعله النصارى ومن أشبههم من مبتدعة هذه الأمة، حيث يجعلون الحج والصلاة من جنس ما يفعلونه من الشرك والبدع، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم لما ذكر له بعض أزواجه كنيسة بأرض الحبشة، وذكر له عن حسنها وما فيها من التصاوير، فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة) .

ولهذا نهي العلماء عما فيه عبادة لغير اللّه، وسؤال لمن مات من الأنبياء، أو الصالحين، مثل من يكتب رقعة ويعلقها عند قبر نبي، أو صالح، أو يسجد لقبر، أو يدعوه، أو يرغب إليه. وقالوا: إنه لا يجوز بناء المساجد على القبور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس ليال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون /القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) رواه مسلم، وقال: (لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا) . وهذه الأحاديث في الصحاح. وما يفعله بعض الناس من أكل التمر في المسجد، أو تعليق الشعر في القناديل، فبدعة مكروهة.

ومن حمل شيئا من ماء زمزم جاز، فقد كان السلف يحملونه، وأما التمر الصيحاني فلا فضيلة فيه، بل غيره من التمر، البرني والعجوة خير منه، والأحاديث إنما جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك، كما جاء في الصحيح: (من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يصبه ذلك اليوم سم، ولا سحر) . ولم يجئ عنه في الصيحاني شيء. وقول بعض الناس: إنه صاح بالنبي صلى الله عليه وسلم جهل منه بل إنما سمي بذلك ليبسه، فانه يقال: تصوح التمر، إذا يبس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت