الصفحة 419 من 1087

وهذا كقول بعض الجهال: إن عين الزرقاء جاءت معه من مكة، ولم يكن بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عين جارية لا الزرقاء ولا عيون حمزة ولا غيرهما، بل كل هذا مستخرج بعده.

ورفع الصوت في المساجد منهي عنه، وقد ثبت أن عمر بن الخطاب/ ـ رضي اللّه عنه ـ رأي رجلين يرفعان أصواتهما في المسجد فقال: لو أعلم أنكما من أهل البلد لأوجعتكما ضربا، إن الأصوات لا ترفع في مسجده. فما يفعل بعض جهال العامة من رفع الصوت عقيب الصلاة من قولهم: السلام عليك يارسول اللّه! بأصوات عالية. من أقبح المنكرات. ولم يكن أحد من السلف يفعل شيئا من ذلك عقيب السلام بأصوات عالية، ولا منخفضة، بل مافي الصلاة من قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته، هو المشروع، كما أن الصلاة عليه مشروعة في كل زمان ومكان.

وقد ثبت في الصحيح أنه قال: (من صلى على مرة صلى اللّه عليه بها عشرا) . وفي المسند: أن رجلا قال: يارسول اللّه، أجعل عليك ثلث صلاتي، قال: (إذًا يكفيك اللّه ثلث أمرك) . فقال: أجعل عليك ثلثي صلاتي، قال: (إذا يكفيك اللّه ثلثي أمرك) . قال: أجعل صلاتي كلها عليك، قال: (إذا يكفيك اللّه ما أهمك من أمر دنياك وأمر آخرتك) . وفي السنن عنه أنه قال: (لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا على حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني) . وقد رأي عبد اللّه بن حسن شيخ الحسنيين في زمنه رجلا ينتاب قبر النبي صلى الله عليه وسلم، للدعاء عنده، قال: ياهذا، إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا على حيثما كنتم، فإن /صلاتكم تبلغني) فما أنت ورجل بالأندلس إلا سواء.

ولهذا كان السلف يكثرون الصلاة والسلام عليه، في كل مكان وزمان، ولم يكونوا يجتمعون عند قبره، لا لقراءة ختمة، ولا إيقاد شمع، وإطعام وإسقاء، ولا إنشاد قصائد، ولا نحو ذلك، بل هذا من البدع، بل كانوا يفعلون في مسجده ما هو المشروع في سائر المساجد من الصلاة، والقراءة، والذكر، والدعاء، والاعتكاف، وتعليم القرآن والعلم، وتعلمه، ونحو ذلك.

وقد علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم له مثل أجر كل عمل صالح تعمله أمته، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدي فله من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا) . وهو الذي دعا أمته إلى كل خير، فكل خير يعمله أحد من الأمة فله مثل أجره، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى أن يهدي إليه ثواب صلاة، أو صدقة، أو قراءة من أحد، فإن له مثل أجر ما يعملونه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا.

وكل من كان له أطوع وأتبع كان أولي الناس به في الدنيا والآخرة، قال تعالي: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن آل أبي فلان ليسوا لي /بأولياء، إنما ولي اللّه وصالح المؤمنين) ، وهو أولي بكل مؤمن من نفسه، وهو الواسطة بين اللّه وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده، ووعيده، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه.

واللّه هو المعبود المسؤول، المستعان به الذي يخاف ويرجي، ويتوكل عليه، قال تعالي: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] ، فجعل الطاعة للّه والرسول، كما قال تعالي: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80] ، وجعل الخشية والتقوي للّه وحده لا شريك له، فقال تعالي: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] ، فأضاف الإيتاء إلى اللّه والرسول، كما قال تعالي: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} [الحشر: 7] ، فليس لأحد أن يأخذ إلا ما أباحه الرسول، وإن كان اللّه آتاه ذلك من جهة القدرة، والملك، فإنه يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت