فهرس الكتاب
يشاء، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول في الاعتدال من الركوع، وبعد السلام: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُ) أي: من آتيته جدا وهو البخت والمال والملك، فإنه لا ينجيه منك إلا الإيمان والتقوي.
وأما التوكل فعلي اللّه وحده، والرغبة فإليه وحده، كما قال /تعالي: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ} ولم يقل: ورسوله، وقالوا: {إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} ولم يقولوا هنا: ورسوله، كما قال في الإيتاء، بل هذا نظير قوله: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 7،8] ، وقال تعالي: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] ، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا اللّه ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} . وقد قال تعالي: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] . أي: اللّه وحده حسبك، وحسب المؤمنين الذين اتبعوك.
ومن قال: إن اللّه والمؤمنين حسبك فقد ضل، بل قوله من جنس الكفرة، فإن اللّه وحده هو حسب كل مؤمن به. والحسب الكافي، كما قال تعالي: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]
وللّه تعالى حق لا يشركه فيه مخلوق؛ كالعبادات، والإخلاص والتوكل، والخوف، والرجاء، والحج، والصلاة، والزكاة، والصيام، والصدقة. والرسول له حق؛ كالإيمان به، وطاعته، واتباع سنته وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، وتقديمه في المحبة على الأهل والمال، والنفس، كما قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، /لا يؤمن أحدكم حتي أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) ، بل يجب تقديم الجهاد الذي أمر به على هذا كله، كما قال تعالي: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] ، وقال تعالي: {وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62] .
وبسط مافي هذا المختصر وشرحه مذكور في غير هذا الموضع. واللّه سبحانه وتعالي أعلم، وصلي اللّه وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد للّه رب العالمين.
وَسئل أبو العباس:
أيما أفضل لمن كان بمكة: الطواف بالبيت؟ أو الخروج إلى الحل ليعتمر منه ويعود؟ وهل يستحب لمن كان بمكة كثرة الاعتمار في رمضان أو في غيره، أو الطواف بدل ذلك؟ وكذلك كثرة الاعتمار لغير المكي: هل هو مستحب؟ وهل في اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم من الجِعْرَانة. وفي عمرة الحديبية مستند لمن يعتمر من مكة، كما في أمره لعائشة أن تعتمر من التنعيم؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عمرة في رمضان تعدل حجة) : هل هي عمرة الأفُقِي؟ أو تتناول المكي الذي يخرج إلى الحل ليعتمر في رمضان؟
فأجاب:
أما من كان بمكة من مستوطن، ومجاور، وقادم، وغيرهم، فإن طوافه بالبيت أفضل له من العمرة، وسواء خرج في ذلك إلى أدني الحل، وهو التنعيم الذي أحدث فيه المساجد، التي تسمي [مساجد عائشة] أو أقصي الحل من أي جوانب الحرم، سواء كان من جهة [الجِعْرَانة] أو [الحديبية] ، أو غير ذلك، وهذا المتفق عليه بين سلف الأمة، وما أعلم فيه مخالفًا من أئمة الإسلام في العمرة المكية.