فهرس الكتاب
/وأما العمرة من الميقات: بأن يذهب إلى الميقات فيحرم منه، أو يرجع إلى بلده، ثم ينشئ السفر منه للعمرة، فهذه ليست عمرة مكية بل هذه عمرة تامة، وليس الكلام هنا فيه.
وهذه فيها نزاع: هل المقام بمكة أفضل منها؟ أم الرجوع إلى بلده أو الميقات أفضل؟ وسيأتي كلام بعض من رجح المقام بمكة للطواف على الرجوع للعمرة من الميقات.
وإنما النزاع في أنه هل يكره للمكي الخروج للاعتمار من الحل، أم لا؟ وهل يكره أن يعتمر من تشرع له العمرة كالأُفقِي في العام أكثر من عمرة أم لا؟ وهل يستحب كثرة الاعتمار أم لا؟
فأما كون الطواف بالبيت أفضل من العمرة لمن كان بمكة، فهذا مما لا يستريب فيه من كان عالمًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه وآثار الصحابة، وسلف الأمة وأئمتها، وذلك أن الطواف بالبيت أفضل من العبادات والقربات التي شرعها الله تعالى في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو من أعظم عبادة أهل مكة، أعني من كان بمكة مستوطنًا أو غير مستوطن، ومن عباداتهم الدائمة الراتبة التي امتازوا بها على سائر أهل الأمصار، ومازال أهل مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ يطوفون بالبيت في كل /وقت، ويكثرون ذلك.
وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولاة البيت ألا يمنعوا أحدًا من ذلك في عموم الأوقات، فروي جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يابني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلي فيه أية ساعة شاء، من ليل أو نهار) رواه مسلم في صحيحه. وسائر أهل السنن كأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وغيرهم.
وقد قال تعالى لخليله إمام الحنفاء الذي أمره ببناء البيت، ودعا الناس إلى حجه: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] ، وفي الآية الأخري: {وَالْقَائِمِينَ} [الحج: 26] ، فذكر ثلاثة أنواع: الطواف والعكوف، والركوع مع السجود، وقدم الأخص فالأخص، فإن الطواف لا يشرع إلا بالبيت العتيق باتفاق المسلمين. ولهذا اتفقوا على تضليل من يطوف بغير ذلك، مثل من يطوف بالصخرة، أو بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو بالمساجد المبنية بعرفة، أو منى، أو غير ذلك، أو بقبر بعض المشائخ، أو بعض أهل البيت، كما يفعله كثير من جهال المسلمين، فإن الطواف بغير البيت العتيق لا يجوز باتفاق المسلمين، بل من اعتقد ذلك دينًا وقربة عرف أن ذلك ليس بدين باتفاق المسلمين، وأن ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، فإن أصر على اتخاذه دينًا قتل.
/وأما [الاعتكاف] فهو مشروع في المساجد، دون غيرها، وأما الركوع مع السجود فهو مشروع في عموم الأرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) ، وهذا كله متفق عليه بين المسلمين. وإن كان بعض البقاع تمنع الصلاة فيها لوصف عارض كنجاسة، أو مقبرة، أو حُش ّ، أو غير ذلك.
فالمقصود هنا: أنه ـ سبحانه وتعالى ـ قدم الأخص بالبقاع، فالأخص، فقدم الطواف؛ لأنه يختص بالمسجد الحرام، ثم العكوف، لأنه يكون فيه، وفي المساجد التي يصلي المسلمون فيها الصلاة المشروعة، وهي الصلوات الخمس جماعة، ثم الصلاة لأن مكانها أعم.
ومن خصائص الطواف أنه مشروع بنفسه منفردًا، أو في ضمن العمرة، وفي ضمن الحج، وليس في أعمال المناسك ما يشرع منفردًا عن حج وعمرة، إلا الطواف، فإن أعمال المناسك على ثلاث درجات:
منها: ما لا يكون إلا في حج؛ وهو الوقوف بعرفة، وتوابعه من المناسك التي بمزدلفة.