فهرس الكتاب
ومنها: ما لا يكون إلا في حج أو عمرة؛ وهو الإحرام والإحلال،/ والسعي بين الجبلين، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عليه أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] .
ومنها: ما يكون في الحج وفي العمرة ويكون منفردًا؛ وهو الطواف، والطواف ـ أيضًا ـ هو أكثر المناسك عملًا في الحج، فإنه يشرع للقادم طواف القدوم، ويشرع للحاج طواف الوداع، وذلك غير الطواف المفروض طواف الإفاضة الذي يكون بعد التعريف.
ويستحب ـ أيضًا ـ الطواف في أثناء المقام بمنى، ويستحب في جميع الحول عمومًا.
وأما الاعتمار للمكي بخروجه إلى الحل، فهذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا عائشة في حجة الوداع، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها به، بل أذن فيه بعد مراجعتها إياه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. فأما أصحابه الذين حجوا معه حجة الوداع كلهم من أولهم إلى آخرهم، فلم يخرج أحد منهم لا قبل الحجة، ولا بعدها، لا إلى التنعيم، ولا إلى الحديبية، ولا إلى الجِعْرَانة، ولا غير ذلك؛ لأجل العمرة. وكذلك أهل مكة المستوطنين لم يخرج أحد منهم إلى الحل لعمرة، وهذا متفق عليه، معلوم لجميع العلماء الذين يعلمون سنته وشريعته.
/وكذلك ـ أيضًا ـ أصحابه الذين كانوا مقيمين بمكة من حين فتحه مكة من شهر رمضان سنة ثمان، وإلى أن توفي لم يعتمر أحد منهم من مكة ولم يخرج أحد منهم إلى الحل، ويهل منه، ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قط، لا من الحديبية، ولا من الجِعْرَانة، ولا غيرهما، بل قد اعتمر أربع عمر: ثلاث منفردة، وواحدة مع حجته. وجميع عمره كان يكون فيها قادمًا إلى مكة، لا خارجًا منها إلى الحل.
فأما عمرة الحديبية، فإنه اعتمر من ذي الحليفة ـ ميقات أهل المدينة ـ هو وأصحابه الذين بايعوه في تلك العمرة تحت الشجرة، ثم إنهم لما صدهم المشركون عن البيت، وقاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم على العمرة من العام القابل، وصالحهم الصلح المشهور، حل هو وأصحابه من العمرة بالحديبية، ولم يدخلوا مكة ذلك العام، فأنزل الله تعالى في ذلك [سورة الفتح] ، وأنزل قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} الآية [البقرة: 196] ، وقد ذكر الشافعي وغيره الإجماع على أن هذه الآية نزلت في ذلك العام.
ثم إنه بعد ذلك في العام القابل سنة سبع بعد أن فتح خيبر، وكان فتح خيبر عقيب انصرافه من الحديبية، ثم اعتمر هو ومن معه عمرة القَضِية، وتسمي [عمرة القضاء] وكانت عمرته هذه في ذي القعدة سنة سبع، والتي قبلها عمرة الحديبية، وكانت ـ أيضًا ـ في ذي القعدة، /وعمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة، وكانت عمره كلها في ذي القعدة أوسط أشهر الحج، وبين للمسلمين بذلك جواز الاعتمار في أشهر الحج. ولما اعتمر هو ومن معه عمرة القضية أحرموا ـ أيضًا ـ من ذي الحليفة، ودخلوا مكة، وأقاموا بها ثلاثًا، وتزوج في ذلك العام ميمونة بنت الحارث.
ثم إن أهل مكة نقضوا العهد سنة ثمان، فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح في نحو عشرة آلاف في شهر رمضان، ودخل مكة حلالًا على رأسه المِغْفَر، وطاف بالبيت، وأقام بمكة سبع عشرة ليلة، ولم يعتمر في دخوله هذا، وبلغه أن هوازن قد جمعت له فغزاهم غزوة حنين، وحاصر الطائف بعد ذلك ولم يفتحها، وقسم غنائم حنين بالجعرانة، وأنشأ حينئذ العمرة بالجعرانة، فكان قادمًا إلى مكة في تلك العمرة، لم يخرج من مكة إلى الجعرانة. وحكم كل من أنشأ الحج، أو العمرة من مكان دون المواقيت أن يحرم من ذلك المكان. كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد