فهرس الكتاب
فاجعلوا بينكم وبين الحرم بطن واد. وقال: حدثنا يحيي بن سعيد القطان، عن ابن جريج، عن خلف بن مسلم، عن سالم: قال: لو كنت من أهل مكة ما اعتمرت. وقال: حدثنا عبيد الله بن موسي، عن عثمان، عن عطاء قال: ليس على أهل مكة عمرة إنما يعتمر من زار البيت ليطوف به، وأهل مكة يطوفون متي شاؤوا. /وهذا نص أحمد في غير موضع، على أن أهل مكة لا عمرة عليهم، مع قوله بوجوبها على غيرهم.
ولهذا كان تحقيق مذهبه، إذا أوجب العمرة أنها تجب إلا على أهل مكة، وإن كان من أصحابه من جعل هذا التفريق رواية ثالثة عنه، وأن القول بالإيجاب يعم مطلقًا. ومنهم من تأول كلامه على أنه لا عمرة عليهم مع الحجة؛ لأنه يتقدم منهم فعلها في غير وقت الحج، فهذا خلاف نصوص أحمد الصريحة عنه بالتفريق.
ثم من هؤلاء من يقول: مثل ذلك من أصحاب الشافعي في وجوب العمرة على أهل مكة، قول ضعيف جدًا مخالف للسنة الثابتة، وإجماع الصحابة، فإنها لو كانت واجبة عليهم لأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها، ولكانوا يفعلونها، وقد علم أنه لم يكونوا أهل مكة يعتمرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلًا، بل ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن أحد أنه اعتمر من مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عائشة.
ولهذا كان المصنفون للسنن إذا أرادوا ذكر ما جاء من السنة في العمرة من مكة، لم يكن معهم إلا قضية عائشة، ومن المعلوم أن ما دون هذا تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان أهل مكة كلهم ـ بل /أو بعضهم ـ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يخرجون إلى الحل فيعتمرون فيه لنقل ذلك، كما نقل خروجهم في الحج إلى عرفات، وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وخرج معه أهل مكة إلى عرفات، ولم يعتمر بعد الحجة، ولا قبلها أحد من أدني الحل، لا أهل مكة، ولا غيرهم، إلا عائشة، ثم كان الأمر على ذلك زمن الخلفاء الراشدين. حتي قال ابن عباس، ثم عطاء وغيرهما ـ لما بعد عهد الناس بالنبوة ـ: يا أهل مكة، ليس علىكم عمرة، إنما عمرتكم الطواف بالبيت. ومن المعلوم أنه لو كان أهل مكة يعتمرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤمرون بذلك لم يكن مثل هذا خافيا على ابن عباس، إمام أهل مكة، وأعلم الأمة في زمنه بالمناسك وغيرها.
وكذلك عطاء بعده إمام أهل مكة، بل إمام الناس كلهم في المناسك، حتي كان يقال في أئمة التابعين الأربعة أئمة أهل الأمصار: سعيد بن المسيب إمام أهل المدينة، وعطاء بن أبي رباح إمام أهل مكة، وإبراهيم النخعي إمام أهل الكوفة، والحسن البصري إمام أهل البصرة، وأعلمهم بالحلال والحرام سعيد بن المسيب، وأعلمهم بالمناسك عطاء، وأعلمهم بالصلاة إبراهيم، وأجمعهم الحسن.
وأيضًا، فإن كل واحد من الحج والعمرة يتضمن القصد إلى بيت /الله، المحيط به حرم الله تعالى، ولهذا لم يكن بد من أن يجمع في نسكه بين الحل والحرم، حتي يكون قاصدًا للحرم من الحل، فيظهر فيه معني القصد إلى الله، والتوجه إلى بيته وحرمه، فمن كان بيته خارج الحرم، فهو قاصد من الحل إلى الحرم، إلى البيت.
وأما من كان بالحرم كأهل مكة فهم في الحج، لابد لهم من الخروج إلى عرفات، وعرفات هي من الحل، فإذا أفاضوا من عرفات قصدوا حينئذ البيت من الحل.
ولهذا كان الطواف المفروض لا يكون إلا بعد التعريف، وهو القصد من الحل إلى الكعبة، الذي هو حقيقة الحج، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) ، ولهذا كان الحج يدرك بإدراك التعريف ويفوت بفوات وقته بطلوع فجر يوم النحر بعد يوم التعريف، فحقيقة الحج ممكنة في حق أهل مكة، كما