الصفحة 425 من 1087

هي ممكنة في حق غيرهم، إذ ما قبل التعريف من الأعمال كطواف القدوم ليس من الأمور اللازمة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة أنها قد حاضت، وكانت متمتعة أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنقض رأسها، وتمتشط، وتهل بالحج، وتدع العمرة.

فأكثر الفقهاء يقولون: جعلها قارنة، وأسقط عنها طواف القدوم /فسقوطه عن المفرد للحج أولي، وهو قول أبي حنيفة.

ومنهم من يقول: جعلها رافضة للعمرة، وهذا قول مالك، والشافعي وأحمد، لكن تنازعوا في سقوطه عن غير المعذور، فعلى القولين، فهو يدل على أنها لو كانت مفردة أو قارنة كان سقوط طواف القدوم عنها إذا كانت حائضًا أولي من العمرة وطوافها.

وهذا بخلاف طواف الإفاضة، فإنه لما قيل: إن صفية بنت حيي قد حاضت قال: (عَقْرَي حَلْقَي، أحابستنا هي؟) . فقيل له: إنها قد أفاضت، قال: (فلا إذًا) .

وهكذا كما أنه قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينفر أحد حتي يكون آخر عهده بالبيت، وهو طواف الوداع. ورخص للحائض أن تنفر قبل الوداع. وما سقط بالعذر علم أنه ليس من أركان الحج الذي لابد منها، ولهذا لم يكن على أهل مكة طواف قدوم، ولا طواف وداع، لانتفاء معني ذلك في حقهم، فإنهم ليسوا بقادمين إليها ولا مودعين لها، ما داموا فيها. فظهر أن الحج الذي أصله التعريف للطواف بعد ذلك مشروع لوجود حقيقته فيهم.

وأما العمرة، فإن جماعها الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وذلك من نفس الحرم، وهو في الحرم دائمًا. والطواف بين الصفا /والمروة تابع في العمرة، ولهذا لا يفعل إلا بعد الطواف، ولا يتكرر فعله لا في حج ولا عمرة. فالمقصود الأكبر من العمرة هو الطواف وذلك يمكن أهل مكة بلا خروج من الحرم، فلا حاجة إلى الخروج منه، ولأن الطواف والعكوف هو المقصود بالقادم إلى مكة، وأهل مكة متمكنون من ذلك، ومن كان متمكنًا من المقصود بلا وسيلة لم يؤمر أن يترك المقصود، ويشتغل بالوسيلة.

وأيضًا، فمن المعلوم أن مشي الماشي حول البيت طائفًا، هو العبادة المقصودة، وأن مشيه من الحل هو وسيلة إلى ذلك وطريق، فمن ترك المشي من هذا المقصود الذي هو العبادة، واشتغل بالوسيلة، فهو ضال جاهل بحقيقة الدين، وهو أشر من جهل من كان مجاورًا للمسجد يوم الجمعة يمكنه التبكير إلى المسجد، والصلاة فيه، فذهب إلى مكان بعيد ليقصد المسجد منه، وفوت على نفسه ما يمكنه فعله في المسجد من الصلاة المقصودة.

يبين ذلك أن الاعتمار افتعال، من عمر يعمر، والاسم فيه [العمرة] ، قال تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ} [البقرة: 158] ، وقال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: 19] . وعمارة المساجد إنما هي بالعبادة فيها، وقصدها لذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان) لأن الله يقول: / {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ} [التوبة: 18] . والمقيم بالبيت أحق بمعني العمارة من القاصد له، ولهذا قيل: العمرة هي الزيارة لأن المعتمر لابد أن يدخل من الحل، وذلك هو الزيارة. وأما الأولي فيقال لها: عمارة، ولفظ عمارة أحسن من لفظ عمرة، وزيادة اللفظ يكون لزيادة المعني.

ولهذا ثبت في الصحيح أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: لا أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحجيج، فقال على: الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتم. فقال عمر: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت