فهرس الكتاب
الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قضيت الجمعة إن شاء الله دخلت عليه، فسألته، فأنزل الله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية [التوبة: 19] .
وإذا كان كذلك فالمقيم في البيت طائفًا فيه، وعامرًا له بالعبادة، قد أتي بما هو أكمل من معني المعتمر، وأتي المقصود بالعمرة، فلا يستحب له ترك ذلك بخروجه عن عمارة المسجد، ليصير بعد ذلك عامرًا له؛ لأنه استبدل الذي هو أدني بالذي هو خير.
وَسُئِل الشيّخ ـ رحمه الله:
هل الأفضل المجاورة بمكة، أو بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو المسجد الأقصى، أؤ بثَغْر من الثغور لأجل الغزو، وفيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) ، و (من زار البيت ولم يزرني فقد جفاني) ؟ وهل زيارة النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الاستحباب أم لا؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، المرابطة بالثغور أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة، كما نص على ذلك أئمة الإسلام عامة، بل قد اختلفوا في المجاورة: فكرهها أبو حنيفة، واستحبها مالك وأحمد وغيرهما، ولكن المرابطة عندهم أفضل من المجاورة، وهذا متفق عليه بين السلف، حتى قال أبو هريرة ـ رضى الله عنه ـ: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. وذلك أن الرباط من جنس الجهاد، وجنس الجهاد مقدم على جنس الحج، كما في الصحيحين عن النبي/ صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أى العمل أفضل؟ قال: (الإيمان بالله ورسوله) . قيل: ثم ماذا؟ قال: (جهاد في سبيل الله) . قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور) . وقد قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 19: 22] .
وأما قوله: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) : فهذا الحديث رواه الدارقطني ـ فيما قيل ـ بإسناد ضعيف، ولهذا ذكره غير واحد من الموضوعات، ولم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها من كتب الصحاح والسنن والمسانيد.
وأما الحديث الآخر: قوله: (من حج البيت ولم يزرنى فقد جفإني) ، فهذا لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، بل هو موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه مخالف للإجماع؛ فإن جفاء الرسول صلى الله عليه وسلم من الكبائر، بل هو كفر ونفاق، بل يجب أن يكون أحب إلينا من أهلينا وأموالنا، كما قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) .
/ وأما [زيارته] فليست واجبة باتفاق المسلمين، بل ليس فيها أمر في الكتاب ولا في السنة، وإنما الأمر الموجود في الكتاب والسنة بالصلاة عليه والتسليم. فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأكثر ما اعتمده العلماء في [الزيارة] قوله في الحديث الذي رواه أبو داود: (ما من مسلم يُسلِّم عَلَىَّ، إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام) . وقد كره مالك وغيره أن يقال: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كان الصحابة ـ كابن عمر وأنس وغيرهما ـ يسلمون عليه صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، كما في الموطأ: أن ابن عمر كان إذا دخل المسجد يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت.