فهرس الكتاب
وفيهما ـ أيضا ـ عن معاذ بن جبل قال: (وهم بالشام) . وفي تاريخ البخاري قال: (وهم بدمشق) . وروي: (وهم بأكناف بيت المقدس) . وفي الصحيحين ـ أيضا ـ عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أخبر (أن ملائكة الرحمن مظلة أجنحتها بالشام) .
والآثار في هذا المعنى متعاضدة، ولكن الجواب ـ ليس على البديهة ـ على عجل.
وقد دل الكتاب والسنة وما روي عن الأنبياء المتقدمين ـ عليهم السلام ـ مع ما علم بالحس والعقل وكشوفات العارفين: أن الخلق والأمر ابتدءا من مكة أم القرى، فهي أم الخلق، وفيها ابتدئت الرسالة المحمدية التي طبق نورها الأرض، وهي جعلها الله قياما للناس: إليها يصلون، ويحجون، ويقوم بها ما شاء الله من مصالح دينهم ودنياهم، فكان الإسلام في الزمان الأول ظهوره بالحجاز أعظم، ودلت الدلائل المذكورة على أن ملك النبوة بالشام، والحشر إليها. فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر. وهناك يحشر الخلق. والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام. وكما أن مكة أفضل من بيت المقدس، فأول الأمة خير من آخرها. وكما أنه في آخر الزمان يعود الأمر إلى /الشام، كما أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. فخيار أهل الأرض في آخر الزمان ألزمهم مهاجر إبراهيم ـ عليه السلام ـ وهو بالشام. فالأمر مساسه كما هو الموجود والمعلوم.
وقد دل القرآن العظيم على بركة الشام في خمس آيات: قوله: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف: 137] ، والله تعالى إنما أورث بني إسرائيل أرض الشام، وقوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] ، وقوله: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 71] ، وقوله: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأنبياء: 81] ، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} [سبأ: 18] . فهذه خمس آيات نصوص. و [البركة] تتناول البركة في الدين، والبركة في الدنيا. وكلاهما معلوم لا ريب فيه، فهذا من حيث الجملة والغالب.
وأما كثير من الناس فقد يكون مقامه في غير الشام أفضل له، كما تقدم. وكثير من أهل الشام لو خرجوا عنها إلى مكان يكونون فيه أطوع لله ولرسوله لكان أفضل لهم. وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي ـ رضي الله عنهما ـ يقول له: هلم إلى الأرض /المقدسة، فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الرجل عمله. وهو كما قال سلمان الفارسي؛ فإن مكة ـ حرسها الله تعالى ـ أشرف البقاع، وقد كانت في غربة الإسلام دار كفر وحرب يحرم المقام بها، وحرم بعد الهجرة أن يرجع إليها المهاجرون فيقيموا بها، وقد كانت الشام في زمن موسى ـ عليه السلام ـ قبل خروجه ببني إسرائيل دار الصابئة المشركين الجبابرة الفاسقين، وفيها قال تعالى لبني إسرائيل: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145] .
فإن كون الأرض [دار كفر] أو [دار إسلام] أو [إيمان] أو [دار سلم] أو [حرب] أو [دار طاعة] ، أو [معصية] أو [دار المؤمنين] أو [الفاسقين] ، أوصاف عارضة، لا لازمة. فقد تنتقل من وصف إلى وصف، كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم، وكذلك بالعكس.
وأما الفضيلة الدائمة في كل وقت ومكان ففي الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} الآية [البقرة: 62] . وقال تعالى {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ} الآية [البقرة: 111، 112] . وقال تعال: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ