الصفحة 430 من 1087

واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: 125] . وإسلام الوجه لله تعالى هو إخلاص القصد والعمل له والتوكل عليه. كما قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] . وقال: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] ، وقال تعالى: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10] .

ومنذ أقام الله حجته على أهل الأرض بخاتم رسله محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجب على أهل الأرض الإيمان به وطاعته، واتباع شريعته ومنهاجه. فأفضل الخلق أعلمهم، وأتبعهم لما جاء به: علما، وحالا، وقولا، وعملا، وهم أتقى الخلق. وأي مكان وعمل كان أعون للشخص على هذا المقصود كان أفضل في حقه، وإن كان الأفضل في حق غيره شيئًا آخر. ثم إذا فعل كل شخص ما هو أفضل في حقه، فإن تساوت الحسنات والمصالح التى حصلت له مع ما حصل للآخر فهما سواء، وإلا فإن أرجحهما في ذلك هو أفضلهما.

وهذه الأوقات يظهر فيها من النقص في خراب [المساجد الثلاثة] علما وإيمانًا، ما يتبين به فضل كثير ممن بأقصى المغرب على أكثرهم. فلا ينبغى للرجل أن يلتفت إلى فضل البقعة في فضل أهلها مطلقا، بل يعطى كل ذي حق حقه، ولكن العبرة بفضل الإنسان في إيمانه وعمله الصالح والكلم الطيب، ثم قد يكون بعض البقاع أعون على بعض الأعمال كإعانة مكة حرسها الله تعالى على الطواف والصلاة المضعفة ونحو / ذلك. وقد يحصل في الأفضل معارض راجح يجعله مفضولا؛ مثل من يجاور بمكة مع السؤال والاستشراف، والبطالة عن كثير من الأعمال الصالحة، وكذلك من يطلب الإقامة بالشام لأجل حفظ ماله وحرمة نفسه، لا لأجل عمل صالح، فالأعمال بالنيات.

وهذا الحديث الشريف إنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم بسبب الهجرة فقال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) . قال ذلك بسبب أن رجلا كان قد هاجر يتزوج امرأة يقال لها: أم قيس، وكان يقال له: مهاجر أم قيس.

وإذا فضلت جملة على جملة لم يستلزم ذلك تفضيل الأفراد على الأفراد، كتفضيل القرن الثانى على الثالث، وتفضيل العرب على ما سواهم، وتفضيل قريش على ما سواهم. فهذا هذا، والله أعلم.

وَسُئِلَ ـ رحمه الله تعالى ـ عن [جبل لبنان] : هل ورد في فضله نص في كتاب الله تعالى، أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل يحل في دين الله تعالى أن يصقع الناس إليه برؤوسهم إذا أبصروه؟ وحتى من أبصره صباحا أو مساء يرى أن ذلك بركة عظيمة؟ وهل ثبت عند أهل العلم أن فيه أربعين من الأبدال؟ أو كان فيه رجال عليهم شعر مثل شعر الماعز؟ وهل هذه صفة الصالحين؟ وهل يجوز أن يعقد له نية الزيارة؟ أو يعتقد أن من وطئ أرضه فقد وطئ بعض الجبل المخصوص بالرحمة؟ وهل ثبت أن فيه نبيا من الأنبياء مدفون أو في أذياله؟ أو قال أحد من أهل العلم: إن فيه رجال الغيب؟ وكيف صفة رجال الغيب الذين يعتقد العوام فيهم؟ وهل يحل في دين الله تعالى أن يعتقد المسلمون شيئًا من هذا؟ وهل يكون كل من كابر فيه وحسنه أو داهن فيه مخطئًا آثمًا؟ وهل يكون المنكر لهذا كله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحالة هذه أم لا؟

فأجاب:

ليس في فضل [جبل لبنان] وأمثاله نص لا عن الله /ولا عن رسوله، بل هو وأمثاله من الجبال التي خلقها الله وجعلها أوتادا للأرض، وآية من آياته، وفيها من منافع خلقه ما هو نعم لله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت