فهرس الكتاب
والنوع الثاني: السلام عليه عند دخول المسجد، كما في المسند والسنن عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ورضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: بسم الله، والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: بسم الله، والسلام على رسول الله. / اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك) . وقد روي مسلم في صحيحه الدعاء عند دخول المسجد بأن يفتح له أبواب رحمته، وعند خروجه يسأل الله من فضله. وهذا الدعاء مؤكد في دخول مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا ذكره العلماء فيما صنفوه من المناسك لمن أتي إلى مسجده صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك. فكان السلام عليه مشروعا عند دخول المسجد والخروج منه، وفي نفس كل صلاة. وهذا أفضل وأنفع من السلام عليه عند قبره وأدوم. وهذا مصلحة محضة لا مفسدة فيها تخشي، فبها يرضي الله ويوصل نفع ذلك إلى رسوله وإلى المؤمنين. وهذا مشروع في كل صلاة وعند دخول المسجد والخروج منه، بخلاف السلام عند القبر.
مع أن قبره من حين دفن لم يمكن أحد من الدخول إليه، لا لزيارة ولا لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك. ولكن كانت عائشة فيه لأنه بيتها. وكانت ناحية عن القبور؛ لأن القبور في مقدم الحجرة، وكانت هي في مؤخر الحجرة. ولم يكن الصحابة يدخلون إلى هناك. وكانت الحجرة على عهد الصحابة خارجة عن المسجد متصلة به، وإنما أدخلت فيه في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد موت العبادلة، ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن عمرو، بل بعد موت جميع الصحابة الذين كانوا بالمدينة، فإن آخر من مات بها جابر ابن عبد الله في بضع / وسبعين سنة. ووسع المسجد في بضع وثمانين سنة. ولم يكن الصحابة يدخلون إلى عند القبر، ولا يقفون عنده خارجا، مع أنهم يدخلون إلى مسجده ليلا ونهارا. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام) . وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) . وكانوا يقدمون من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك فيصلون في مسجده، ويسلمون عليه في الصلاة، وعند دخول المسجد والخروج منه. ولا يأتون القبر، إذ كان هذا عندهم مما لم يأمرهم به، ولم يسنه لهم. وإنما أمرهم وسن لهم الصلاة والسلام عليه في الصلاة، وعند دخولهم المساجد، وغير ذلك.
ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر. وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضا. فلهذا رأي من رأي من العلماء هذا جائزا اقتداء بالصحابة ـ رضوان الله عليهم. وابن عمر كان يسلم ثم ينصرف، ولا يقف، يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. ثم ينصرف. ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن عمر، بل كان الخلفاء وغيرهم يسافرون للحج وغيره ويرجعون ولا يفعلون ذلك، إذ لم يكن هذا /عندهم سنة سنها لهم. وكذلك أزواجه كن على عهد الخلفاء وبعدهم يسافرون إلى الحج، ثم ترجع كل واحدة إلى بيتها كما وصاهن بذلك. وكانت أمداد اليمن الذين قال الله تعالى فيهم: {فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، على عهد أبي بكر الصديق وعمر يأتون أفواجًا من اليمن للجهاد في سبيل الله، ويصلون خلف أبي بكر وعمر في مسجده، ولا يدخل أحد منهم إلى داخل الحجرة، ولا يقف في المسجد خارجًا، لا لدعاء ولا لصلاة ولا سلام ولا غير ذلك. وكانوا عالمين بسنته كما علمتهم الصحابة والتابعون، وأن حقوقه لازمة لحقوق الله عز وجل، وأن جميع ما أمر الله به وأحبه من حقوقه وحقوق رسوله فإن صاحبها يؤمر بها في جميع المواضع والبقاع. فليست الصلاة والسلام عند قبره المكرم بأوكد من ذلك في غير ذلك المكان. بل صاحبها