فهرس الكتاب
السلام موجودا في عموم المؤمنين فهو في أفضل الخلق أولي. وإذا سلم المسلم عليه في صلاته، فإنه وإن لم يرد عليه لكن الله يسلم عليه عشرا. كما جاء في الحديث: (من سلم على مرة سلم الله عليه/ عشرا) . فالله يجزيه على هذا السلام أفضل مما يحصل بالرد، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا. وكان ابن عمر يسلم عليه ثم ينصرف. لا يقف لا لدعاء له ولا لنفسه. ولهذا كره مالك ما زاد على فعل ابن عمر من وقوف له أو لنفسه؛ لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة، فكان بدعة محضة. قال مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. مع أن فعل ابن عمر إذا لم يفعل مثله سائر الصحابة إنما يصلح للتسويغ، كأمثال ذلك فيما فعله بعض الصحابة ـ رضوان الله عليهم.
وأما القول بأن هذا الفعل مستحب أو منهي عنه أو مباح، فلا يثبت إلا بدليل شرعي، فالوجوب والندب والإباحة والاستحباب والكراهة والتحريم لا يثبت شيء منها إلا بالأدلة الشرعية، والأدلة الشرعية مرجعها كلها إليه ـ صلوات الله وسلامه عليه. فالقرآن هو الذي بلغه، والسنة هو الذي علمها. والإجماع بقوله عرف أنه معصوم. والقياس إنما يكون حجة إذا علمنا أن الفرع مثل الأصل، وأن علة الأصل في الفرع. وقد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم لا يتناقض، فلا يحكم في المتماثلين بحكمين متناقضين، ولا يحكم بالحكم لعلة تارة ويمنعه أخري مع وجود العلة إلا لاختصاص إحدي الصورتين بما يوجب التخصيص. فشرعه هو ما شرعه هو صلى الله عليه وسلم، وسنته ما سنها هو، لا يضاف إليه قول غيره /وفعله ـ وإن كان من أفضل الناس ـ إذا وردت سنته، بل ولا يضاف إليه إلا بدليل يدل على الإضافة؛ ولهذا كان الصحابة كأبي بكر وعمر وابن مسعود يقولون باجتهادهم ويكونون مصيبين موافقين لسنته، لكن يقول أحدهم: أقول في هذا برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. فإن كل ما خالف سنته فهو شرع منسوخ أو مبدل، لكن المجتهدون وإن قالوا بآرائهم وأخطؤوا فلهم أجر، وخطؤهم مغفور لهم.
وكان الصحابة إذا أراد أحدهم أن يدعو لنفسه استقبل القبلة ودعا في مسجده، كما كانوا يفعلون في حياته. لا يقصدون الدعاء عند الحجرة ولا يدخل أحدهم إلى القبر. والسلام عليه قد شرع للمسلمين في كل صلاة، وشرع للمسلمين إذا دخل أحدهم المسجد أي مسجد كان.
فالنوع الأول: كل صلاة يقول المصلى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض) . وقد شرع للمسلمين في كل صلاة أن يسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم خصوصا وعلى عباد الله الصالحين من الملائكة والإنس والجن عموما. وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: كنا نقول خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: السلام على فلان وفلان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله / هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) . وقد روي عنه التشهد بألفاظ أخر، كما رواه مسلم من حديث ابن عباس، وكما كان ابن عمر يعلم الناس التشهد. ورواه مسلم من حديث أبي موسي، لكن هو تشهد ابن مسعود. ولكن لم يخرج البخاري إلا تشهد ابن مسعود، وكل ذلك جائز، فإن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فالتشهد أولي.
والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم ذكر أن المصلى إذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض. وهذا يتناول الملائكة وصالحي الإنس والجن، كما قال تعالى عنهم: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} [الجن: 11] .