فهرس الكتاب
/وكذلك لم يكن أحد من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يأتيه فيسأله عند القبر عن بعض ما تنازعوا فيه وأشكل عليهم من العلم، لا خلفاؤه الأربعة ولا غيرهم. مع أنهم أخص الناس به صلى الله عليه وسلم، حتى ابنته فاطمة ـ رضي الله عنها ـ لم يطمع الشيطان أن يقول لها: اذهبي إلى قبره فسليه: هل يورث أم لا يورث؟ كما أنهم ـ أيضا ـ لم يطمع الشيطان فيهم فيقول لهم: اطلبوا منه أن يدعو لكم بالمطر لما أجدبوا. ولا قال: اطلبوا منه أن يستنصر لكم. ولا أن يستغفر، كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم، وأن يستنصر لهم، فلم يطمع الشيطان فيهم بعد موته صلى الله عليه وسلم أن يطلبوا منه ذلك. ولا طمع بذلك في القرون الثلاثة. وإنما ظهرت هذه الضلالات ممن قل علمه بالتوحيد والسنة، فأضله الشيطان، كما أضل النصاري في أمور؛ لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم.
وكذلك لم يطمع الشيطان أن يطير بأحدهم في الهواء، ولا أن يقطع به الأرض البعيدة في مدة قريبة، كما يقع مثل هذا لكثير من المتأخرين؛ لأن الأسفار التي كانوا يسافرونها كانت طاعات؛ كسفر الحج والعمرة والجهاد، وهذه يثابون على كل خطوة يخطونها فيه، وكلما بعدت المسافة كان الأجر أعظم؛ كالذي يخرج من بيته إلى المسجد، فخطواته إحداها /ترفع درجة والأخري تحط خطيئة. فلم يمكن الشيطان أن يفوتهم ذلك الأجر بأن يحملهم في الهواء أو يؤزهم في الأرض أزا حتى يقطعوا المسافة البعيدة بسرعة. وقد علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أسري به الله عز وجل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصي ليريه من آياته الكبري. وكان هذا من خصائصه. فليس لمن بعده مثل هذا المعراج، ولكن الشيطان يخيل إليه معاريج شيطانية كما خيلها لجماعة من المتأخرين.
وأما قطع النهر الكبير بالسير على الماء فهذا قد يحتاج إليه المؤمنون أحيانا مثل ألا يمكنهم العبور إلى العدو وتكميل الجهاد إلا بذلك. فلهذا كان الله يكرم من احتاج إلى ذلك من الصحابة والتابعين بمثل ذلك، كما أكرم به العلاء بن الحضرمى وأصحابه، وأبا مسلم الخولاني وأصحابه، وبسط هذا له موضع آخر غير هذا الكتاب.
لكن المقصود أن يعرف أن الصحابة خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء، فما ظهر فيمن بعدهم مما يظن أنها فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم فإنها من الشيطان، وهي نقيصة لا فضيلة، سواء كانت من جنس العلوم، أو من جنس العبادات، أو من جنس الخوارق والآيات، أو من جنس السياسة والملك. بل خير الناس بعدهم أتبعهم لهم. قال عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: من كان منكم مستنا /فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ تركوا البدع المتعلقة بالقبور كقبره المكرم وقبر غيره، لنهيه صلى الله عليه وسلم لهم عن ذلك، ولئلا يتشبهوا بأهل الكتاب الذين اتخذوا قبور الأنبياء أوثانا. وإن كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر يفعل. بل كانوا في حياته يسلمون عليه ثم يخرجون من المسجد لا يأتون إليه عند كل صلاة. وإذا جاء أحدهم يسلم عليه رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام. وكذلك من يسلم عليه عند قبره رد عليه السلام، وكانوا يدخلون على عائشة، فكانوا يسلمون عليه كما كانوا يسلمون عليه في حياته، ويقول أحدهم: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته. وقد جاء هذا عاما في جميع قبور المؤمنين، فما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله روحه عليه حتى يرد عليه السلام. فإذا كان رد