فهرس الكتاب
يكون جسدا ـ أو كما قال. وهذا هو الذي اعتمد عليه النصاري في أنه صلب، لا في مشاهدته؛ فإن أحدا منهم لم يشاهد الصلب، وإنما حضره بعض اليهود وعلقوا المصلوب وهم يعتقدون أنه المسيح. ولهذا جعله الله من ذنوبهم وإن لم يكونوا صلبوه. لكنهم قصدوا هذا الفعل وفرحوا به، قال تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَي ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إليه وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 156: 158] ، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل غيرهم من أهل البدع، الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، أو جهلوا السنة، أو رأوا وسمعوا أمورا من الخوارق فظنوها من جنس آيات /الأنبياء والصالحين وكانت من أفعال الشياطين. كما أضل النصاري وأهل البدع بمثل ذلك. فهم يتبعون المتشابه ويدعون المحكم. وكذلك يتمسكون بالمتشابه من الحجج العقلية والحسية فيسمع ويري أمورا فيظن أنه رحماني وإنما هو شيطاني، ويدعون البين الحق الذي لا إجمال فيه. وكذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل في صورته ويغيث من استغاث به. أو أن يحمل إليهم صوتا يشبه صوته؛ لأن الذين رأوه علموا أن هذا شرك لا يحل. ولهذا ـ أيضا ـ لم يطمع فيهم أن يقول أحد منهم لأصحابه: إذا كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبري، واستغيثوا بي، لا في محياه ولا في مماته، كما جري مثل هذا لكثير من المتأخرين. ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم ويقول: أنا من رجال الغيب، أو من الأوتاد الأربعة، أو السبعة، أو الأربعين. أو يقول له: أنت منهم. إذ كان هذا عندهم من الباطل الذي لا حقيقة له. ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم فيقول: أنا رسول الله، أو يخاطبه عند القبر، كما وقع لكثير ممن بعدهم عند قبره وقبر غيره وعند غير القبور. كما يقع كثير من ذلك للمشركين وأهل الكتاب، يرون بعد الموت من يعظمونه من شيوخهم.
فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم. والنصاري يرون من يعظمونه، من الأنبياء والحواريين وغيرهم. والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه؛ إما النبي صلى الله عليه وسلم، /وإما غيره من الأنبياء يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه. وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم. ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي صلى الله عليه وسلم وعانقه هو وصاحباه. ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام وإلى مكان بعيد. وهذا وأمثاله أعرف ممن وقع له هذا وأشباهه عددا كثيرا. وقد حدثني بما وقع له في ذلك، وبما أخبر به غيره من الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم. وهذا موجود عند خلق كثير كما هو موجود عند النصاري والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يظن أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأي ذلك رآه لصلاحه ودينه. ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان. ومن كان أقل علما قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافا ظاهرا. ومن عنده علم منها لا يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيدا فائدة في دينه، بل يضله عن بعض ما كان يعرفه، فإن هذا فعل الشياطين، وهو وإن ظن أنه قد استفاد شيئا فالذي خسره من دينه أكثر.
ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة: إن الخضر أتاه، ولا موسي ولا عيسي، ولا أنه سمع رد النبي صلى الله عليه وسلم. وابن عمر كان يسلم إذا قدم من سفر ولم يقل قط: إنه يسمع الرد. وكذلك التابعون وتابعوهم. وإنما حدث هذا من بعض المتأخرين.