فهرس الكتاب
دعاءه صلى الله عليه وسلم، فلم يكن مثل الذين اتخذت قبورهم مساجد فإن أحدًا لا يدخل عنده قبره البتة، فإن من كان قبله من الأنبياء إذ ابتدع أممهم بدعة بعث الله نبيا ينهى عنها. وهو صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء لا نبي بعده، فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة، وعصم قبره المكرم أن يتخذ وثنا، فإن ذلك ـ والعياذ بالله ـ لو فعل لم يكن بعده نبي ينهى عن ذلك، وكان الذين يفعلون ذلك قد غلبوا الأمة، وهو صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة، فلم يكن لأهل البدع سبيل أن يفعلوا بقبره المكرم كما فعل بقبور غيره صلى الله عليه وسلم.
وكان أصحابه خير القرون، وهم أعلم الأمة بسنته، وأطوع الأمة لأمره، وكانوا إذا دخلوا إلى مسجده لا يذهب أحد منهم إلى قبره /لا من داخل الحجرة ولا من خارجها. وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ فيها، وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر. وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه، لا لسلام، ولا لصلاة عليه، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاما أو سلاما فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث، أو أنه قد رد عليهم السلام بصوت يسمع من خارج، كما طمع الشيطان في غيرهم، فأضلهم عند قبره، وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يحدثهم ويفتيهم ويأمرهم وينهاهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجا من القبر، ويظنون أن نفس أبدان الموتي خرجت من القبر تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها، كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج يقظة لا مناما.
فإن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ خير قرون هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس. وهم تلقوا الدين عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، ففهموا من مقاصده صلى الله عليه وسلم وعاينوا من أفعاله وسمعوا منه شفاها ما لم يحصل لمن بعدهم. وكذلك كان يستفيد بعضهم من بعض ما لم يحصل لمن بعدهم، وهم فارقوا جميع أهل الأرض وعادوهم، وهجروا جميع الطوائف وأديانهم، وجاهدوهم بأنفسهم /وأموالهم، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) . وهذا قاله لخالد بن الوليد لما تشاجر هو وعبد الرحمن بن عوف؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان من السابقين الأولين، وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وهو فتح الحديبية وخالد هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة أسلموا في مدة الهدنة بعد الحديبية وقبل فتح مكة، فكانوا من المهاجرين التابعين، لا من المهاجرين الأولين. وأما الذين أسلموا عام فتح مكة فليسوا بمهاجرين، فإنه لا هجرة بعد الفتح، بل كان الذين أسلموا من أهل مكة يقال لهم: الطلقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقهم بعد الاستيلاء عليهم عنوة كما يطلق الأسير. والذين بايعوه تحت الشجرة هم ومن كان من مهاجرة الحبشة هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: (أنتم خير أهل الأرض) . وكنا ألفا وأربعمائة.
ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينال منهم من الإضلال والإغواء ما ناله ممن بعدهم، فلم يكن فيهم من يتعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان له أعمال غير ذلك قد تنكر عليه. ولم يكن فيهم أحد من / أهل البدع المشهورة: كالخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة والجهمية. بل كل هؤلاء إنما حدثوا فيمن بعدهم. ولم يكن فيهم من طمع الشيطان أن يتراءي له في صورة بشر، ويقول: أنا الخضر، أو أنا إبراهيم، أو موسي، أو عيسي، أو المسيح، أو أن يكلمه عند قبر حتى يظن أن صاحب القبر كلمه، بل هذا إنما ناله فيمن بعدهم، وناله ـ أيضا ـ من النصاري حيث أتاهم بعد الصلب وقال: أنا هو المسيح، وهذه مواضع المسامير ـ ولا يقول: أنا شيطان، فإن الشيطان لا