الصفحة 461 من 1087

نزلت آل عمران لما وفد أهل نجران سنة تسع أو عشر. ومن قال: في سنة ست فإنما استدل بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} [البقرة: 196] . فإن هذه نزلت عام الحديبية باتفاق الناس، لكن هذه الآية فيها الأمر بإتمامه بعد الشروع فيه، ليس فيها إيجاب ابتداء به، فالبيت الحرام كان له فضيلة بناء إبراهيم الخليل ودعاء الناس إلى حجه، وصارت له فضيلة ثانية، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الذي أنقذه من أيدي الشمركين ومنعه منهم. وهو الذي أوجب حجه على كل مستطيع. وقد حجه الناس من مشارق الأرض ومغاربها، فعبد الله فيه بسبب محمد صلى الله عليه وسلم أضعاف ما كان يعبد الله فيه قبل ذلك، وأعظم مما كان يعبد، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم.

ولما مات دفن في حجرة عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته: (لعن الله إليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما فعلوا. قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا. وفي صحيح /مسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) . وفي صحيح مسلم ـ أيضا ـ أنه قال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) . فنهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، وعن الصلاة إليها، ولعن إليهود والنصاري لكونهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ لأن هذا كان هو أول أسباب الشرك في قوم نوح، قال اللّه تعالى عنهم: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} [نوح: 23، 24] . قال ابن عباس وغيره من السلف: هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم. فهو صلى الله عليه وسلم لكمال نصحه لأمته حذرهم أن يقعوا فيما وقع فيه المشركون وأهل الكتاب، فنهاهم عن اتخاذ القبور مساجد، وعن الصلاة إليها لئلا يتشبهوا بالكفار، كما نهاهم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لئلا يتشبهوا بالكفار.

ولهذا لما أدخلت الحجرة في مسجده المفضل في خلافة الوليد بن عبد الملك ـ كما تقدم ـ بنوا عليها حائطا وسنموه وحرفوه لئلا يصلي أحد إلى قبره الكريم صلى الله عليه وسلم. وفي موطأ مالك عنه أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم/ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) . وقد استجاب الله دعوته فلم يتخذ ولله الحمد وثنًا، كما اتخذ قبر غيره، بل ولا يتمكن أحد من الدخول إلى حجرته بعد أن بنيت الحجرة. وقبل ذلك ما كانوا يمكنون أحدًا من أن يدخل إليه ليدعو عنده، ولا يصلي عنده، ولا غير ذلك مما يفعل عند قبر غيره. لكن من الجهال من يصلي إلى حجرته، أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهى عنه، وهذا إنما يفعل خارجا عن حجرته لا عند قبره. وإلا فهو ولله الحمد استجاب الله دعوته فلم يمكن أحد قط أن يدخل إلى قبره فيصلي عنده أو يدعو أو يشرك به كما فعل بغيره اتخذ قبره وثنًا، فإنه في حياة عائشة ـ رضي الله عنها ـ ما كان أحد يدخل إلا لأجلها، ولم تكن تمكن أحدًا أن يفعل عند قبره شيئا مما نهى عنه، وبعدها كانت مغلقة إلى أن أدخلت في المسجد فسد بابها وبني عليها حائط آخر. كل ذلك صيانة له صلى الله عليه وسلم أن يتخذ بيته عيدًا وقبره وثنا، وإلا فمعلوم أن أهل المدينة كلهم مسلمون، ولا يأتي إلى هناك إلا مسلم، وكلهم معظمون للرسول صلى الله عليه وسلم، وقبور آحاد أمته في البلاد معظمة. فما فعلوا ذلك ليستهان بالقبر المكرم، بل فعلوه لئلا يتخذ وثنا يعبد، ولا يتخذ بيته عيدًا. ولئلا يفعل به كما فعل أهل الكتاب بقبور أنبيائهم. والقبر المكرم في الحجرة إنما عليه بطحاء ـ وهو الرمل الغليظ ـ ليس عليه حجارة ولا خشب، ولا هو مطين كما فعل بقبور غيره.

/وهو صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن ذلك سدًا للذريعة، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، لئلا يفضي ذلك إلى الشرك. ودعا الله ـ عز وجل ـ ألا يتخذ قبره وثنا يعبد؛ فاستجاب الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت