الصفحة 460 من 1087

عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ رجلين يرفعان أصواتهما في مسجده ورآهما غريبين، فقال: أما علمتما أن الأصوات لا ترفع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لو أنكما من أهل البلد لأوجعتكما ضربا. وعذرهما بالجهل فلم يعاقبهما.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما مات دفن في حجرة عائشة ـ رضي الله عنها ـ وكانت هي وحجر نسائه في شرقي المسجد وقبليه، لم يكن شيء من ذلك داخلا في المسجد، واستمر الأمر على ذلك إلى أن انقرض عصر الصحابة بالمدينة. ثم بعد ذلك في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان بنحو من سنة من بيعته وسع المسجد، وأدخلت فيه الحجرة للضرورة؛ فإن الوليد كتب إلى نائبه عمر بن عبد العزيز أن يشتري الحجر من ملاكها ورثة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهن كن قد توفين كلهن ـ رضي الله عنهن ـ فأمره أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد، فهدمها وأدخلها في المسجد، وبقيت حجرة عائشة على حالها، وكانت مغلقة لا يمكن أحد من الدخول إلى قبر النبي /صلى الله عليه وسلم لا لصلاة عنده ولا لدعاء ولا غير ذلك إلى حين كانت عائشة في الحياة، وهي توفيت قبل إدخال الحجرة بأكثر من عشرين أو ثلاثين سنة، فإنها توفيت في خلافة معاوية، ثم ولي ابنه يزيد، ثم ابن الزبير في الفتنة، ثم عبد الملك ابن مروان، ثم ابنه الوليد، وكانت ولايته بعد ثمانين من الهجرة وقد مات عامة الصحابة، قيل: إنه لم يبق بالمدينة إلا جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ فإنه آخر من مات بها في سنة ثمان وسبعين قبل إدخال الحجرة بعشر سنين.

ففي حياة عائشة ـ رضي الله عنها ـ كان الناس يدخلون عليها لسماع الحديث، ولاستفتائها، وزيارتها، من غير أن يكون إذا دخل أحد يذهب إلى القبر المكرم، لا لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك ـ بل ربما طلب بعض الناس منها أن تريه القبور فتريه إياهن، وهي قبور لا لاطئة ولا مشرفة، مبطوحة ببطحاء العرصة. وقد اختلف هل كانت مسنمة أو مسطحة، والذي في البخاري أنها مسنمة. قال سفيان التمار: إنه رأي قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما، لكن كان الداخل يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: (ما من أحد يسلم على إلا رد الله عليه روحي حتى أرد عليه السلام) . وهذا السلام مشروع لمن كان يدخل الحجرة. وهذا السلام هو القريب الذي يرد النبي صلى الله عليه وسلم على صاحبه. وأما السلام المطلق /الذي يفعل خارج الحجرة وفي كل مكان فهو مثل السلام عليه في الصلاة، وذلك مثل الصلاة عليه، والله هو الذي يصلي على من يصلي عليه مرة عشرًا، ويسلم على من يسلم عليه مرة عشرًا. فهذا هو الذي أمر به المسلمون خصوصا للنبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف السلام عليه عند قبره، فإن هذا قدر مشترك بينه وبين جميع المؤمنين، فإن كل مؤمن يسلم عليه عند قبره كما يسلم عليه في الحياة عند اللقاء وأما الصلاة والسلام في كل مكان والصلاة على التعيين فهذا إنما أمر به في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي أمر الله العباد أن يصلوا عليه ويسلموا تسليما. صلي الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.

فحجر نسائه كانت خارجة عن المسجد شرقيه وقبليه؛ ولهذا قال صلي الله عليه وسلم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) . هذا لفظ الصحيحين، ولفظ: (قبري) ليس في الصحيح، فإنه حينئذ لم يكن قبر.

ومسجده إنما فضل به صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي بناه وأسسه على التقوي. وقد ثبت في الصحيحين عنه أنه قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام) . وجمهور العلماء على أن المسجد الحرام أفضل المساجد والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، هكذا روي أحمد والنسائي وغيرهما / بإسناد جيد. والمسجد الحرام هو فضل به وبإبراهيم الخليل، فإن إبراهيم الخليل بني البيت ودعا الناس إلى حجه بأمره تعالى، ولم يوجبه على الناس ولهذا لم يكن الحج فرضا في أول الإسلام، وإنما فرض في آخر الأمر. والصحيح أنه إنما فرض سنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت