فهرس الكتاب
لذلك، بل ولا يدخلونها إلا لأجل عائشة ـ رضي الله عنها ـ لما كانت مقيمة فيها. وحينئذ فكان من يدخل إليها يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، كما كانوا يسلمون عليه إذا حضروا عنده. وأما السلام الذي لا يسمعه فذلك سلام الله عليهم به عشرًا، كالسلام عليه في الصلاة، وعند دخول المسجد، والخروج منه. وهذا السلام مأمور به في كل مكان وزمان. وهو أفضل من السلام المختص بقبره. فإن هذا المختص بقبره من جنس تحية سائر المؤمنين أحياء وأمواتًا.
وأما السلام المطلق العام فالأمر به من خصائصه كما أن الأمر بالصلاة من خصائصه. وإن كان في الصلاة والسلام على غيره عمومًا وفي الصلاة على غيره خصوصًا نزاع. وقد عدي بعضهم ذلك إلى السلام /فجعله مختصًا به، كما اختص بالصلاة. وحكي هذا عن أبي محمد الجويني، لكن جمهور العلماء على أن السلام لا يختص به. وأما الصلاة ففيها نزاع مشهور. وذلك أن الله تعالى أمر في كتابه بالصلاة والسلام عليه مخصوصًا بذلك، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عليه وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] ، فهنا أخبر وأمر. وأما في حق عموم المؤمنين فأخبر ولم يأمر، فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصلى عليكمْ وَمَلَائِكَتُهُ} [الأحزاب: 43] ؛ ولهذا إذا ذكر الخطباء ذلك قالوا: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثني بملائكته، وأيه بالمؤمنين من بريته، أي قال {يا أيها الذين آمنوا} . فإن صلاته تعالى على المؤمنين بدأ فيها بنفسه، وثني بملائكته، لكن لم يؤيه فيها بالمؤمنين من بريته. وقد جاء في الحديث: (إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير) .
والأعمال تفضل بنيات أصحابها، وطاعتهم لله تعالى، وما في قلوبهم من الإيمان بطاعتهم لله، كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) . وبذلك يثابون، وعلى ترك ما فرضه الله يعاقبون، وبذلك يندفع عنهم بلاء الدنيا والآخرة. وما أصابهم من المصائب فبذنوبهم. قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] ، وقال تعالى: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ، قال العلماء: أي ما أصابك من نصر ورزق وعافية فهو من نعم الله عليك، وما أصابك من المصائب فبذنوبك. كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشوري: 30] ، كما أنهم متفقون كلهم على أنه لا تكون العبادة إلا لله وحده، ولا يكون التوكل إلا عليه وحده، ولا تكون الخشية والتقوي إلا لله وحده.
والرسول صلى الله عليه وسلم له حق لا يشركه فيه أحد من الأمة، مثل وجوب طاعته في كل ما يوجب ويأمر، قال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80] ، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ} [النساء: 64] . ولهذا كانت مبايعته مبايعة لله، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] ، فإنهم عاقدوه على أن يطيعوه في الجهاد ولا يفروا وإن ماتوا. وهذه الطاعة له هي طاعة الله.
وعلينا أن يكون الرسول أحب إلىنا من أنفسنا وآبائنا وأبنائنا وأهلينا وأموالنا، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ لمسلم: (وأهله وماله) . وفي البخاري عن عبد الله بن هشام أنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، /فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك) . فقال له عمر: فإنك الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الآن يا عمر) . وقد قال تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إليكم