الصفحة 470 من 1087

مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حتى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24] ، وقد قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَي بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] ، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا أولي بكل مؤمن من نفسه) .

وذلك أنه لا نجاة لأحد من عذاب الله، ولا وصول له إلى رحمة الله، إلا بواسطة الرسول؛ بالإيمان به ومحبته وموالاته واتباعه. وهو الذي ينجيه الله به من عذاب الدنيا والآخرة. وهو الذي يوصله إلى خير الدنيا والآخرة. فأعظم النعم وأنفعها نعمة الإيمان، ولا تحصل إلا به صلى الله عليه وسلم، وهو أنصح وأنفع لكل أحد من نفسه وماله. فإنه الذي يخرج الله به من الظلمات إلى النور، لا طريق له إلا هو، وأما نفسه وأهله فلا يغنون عنه من الله شيئًا.

وهو دعا الخلق إلى الله بإذن الله، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب: 45، 46] ، والمخالف له يدعو إلى غير الله بغير إذن الله. ومن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه إنما يدعو إلى الله ورسوله. وقوله تعالى: {بِإِذْنِهِ} أي: بأمره وما أنزله من العلم، كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللّهِ على بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ، فمن اتبع الرسول دعا إلى الله على بصيرة، أي على بينة وعلم يدعو إليه بمنزل من الله، بخلاف الذي يأمر بما لا يعلم، أو بما لم ينزل به وحيًا، كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [الحج: 71] . ط

وكل ما أمر الله به أو ندب إليه من حقوقه صلى الله عليه وسلم فإنه لا يختص بحجرته لا من داخل ولا من خارج، بل يفعل في جميع الأمكنة التي شرع فيها. فليس فعل شيء من حقوقه صلى الله عليه وسلم كالإيمان به، ومحبته، وموالاته، وتبليغ العلم عنه، والجهاد على ما جاء به، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، والصلاة والسلام عليه، وكل ما يحبه الله ويتقرب إليه، ليس شيء من ذلك عند حجرته أفضل منه فيما بعد عن الحجرة، لا الصلاة والسلام عليه ولا غير ذلك من حقوقه، بل قد نهى هو صلى الله عليه وسلم أن يجعل بيته عيدًا. فنهى أن يقصد بيته بتخصيص شيء من ذلك. فمن قصد أو اعتقد أن /فعل ذلك عند الحجرة أفضل فهو مخالف له صلى الله عليه وسلم. وهذا مما كان مشروعا كالإيمان به. والشهادة له بأنه رسول الله والصلاة والسلام عليه. وأما ما لم يشرعه الله ولم ينزل به سلطانا إليه، بل نهى عنه صلى الله عليه وسلم، كدعاء غير الله وعبادتهم من جميع المخلوقات، الملائكة والأنبياء وغيرهم، والحج إلى المخلوقين وإلى قبورهم ـ فهذه إنما يأمر بها من ليس معهم بذلك علم ولا وحي منزل من الله، فهم يضاهون الذين يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا، وما ليس لهم به علم، أو هم نوع منهم.

وقد ميز الله بين حقه وحق الرسول في مثل قوله: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ} [النور: 52] ، فالطاعة لله والرسول، والخشية لله وحده، والتقوي لله وحده، لا يخشي مخلوق ولا يتقي مخلوق، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما. قال تعالى: {وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللّهِ تَتَّقُونَ} [النحل: 51، 52] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَإلىوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَي أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] ، وقال تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [المائدة: 44] .

وكذلك ميز بين النوعين في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إلى اللّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] ، ففي الإيتاء قال: (آتاهم الله ورسوله) ؛ لأن الرسول هو الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ أمره ونهىه وتحليله وتحريمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت