الصفحة 471 من 1087

ووعده ووعيده. فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7] ، فلهذا قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ} [التوبة: 59] ، ولم يقل هنا: (ورسوله) ؛ لأن الله وحده حسب جميع عباده المؤمنين، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] ، أي: هو حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين.

وقال تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّي الصَّالِحِينَ [الأعراف: 196] ذكر هذا بعد قوله: إ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} إلى قوله: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّي الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 194: 196] . عن ابن عباس قال: هم الذين لا يعدلون بالله فيتولاهم وينصرهم، ولا تضرهم عداوة من عاداهم. كما قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] . ثم قال تعالى مما يأمرهم: {سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إلى اللّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] ، فأمرهم أن / يجعلوا الرغبة لله وحده كما قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإلى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 7، 8] ؛ وهذا لأن المخلوق لا يملك للمخلوق نفعا ولا ضرا. وهذا عام في أهل السموات وأهل الأرض، قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56، 57] .

قال طائفة من السلف؛ ابن عباس وغيره: هذه الآية في الذين عبدوا الملائكة والأنبياء كالمسيح وعزير. وقال عبد الله بن مسعود: كان قوم من الإنس يعبدون قوما من الجن فأسلم الجن وبقي أولئك على عبادتهم. فالآية تتناول كل من دعا من دون الله من هو صالح عند الله من الملائكة والإنس والجن، قال تعالى: هؤلاء الذين دعوتموهم {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 56، 57] . قال أبو محمد عبد الحق ابن عطية في تفسيره: أخبر الله تعالى أن هؤلاء المعبودين يطلبون التقرب إليه، والتزلف إليه، وأن هذه حقيقة حالهم. والضمير في {ربهم} للمبتغين أو للجميع. و {الوسيلة} هي القربة وسبب الوصول إلى البغية، وتوسل الرجل إذا طلب الدنو والنيل لأمر ما، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: / (من سأل الله لي الوسيلة) الحديث، وهذا الذي ذكره ذكر سائر المفسرين نحوه إلا أنه برز به على غيره فقال: و {أيهم} ابتداء، وخبره {أقرب} و {أولئك} يراد بهم المعبودون، وهو ابتداء، وخبره {يبتغون} . والضمير في {يدعون} للكفار وفي يبتغون للمعبودين. والتقدير نظرهم وذكرهم أيهم أقرب. وهذا كما قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في حديث الراية بخيبر: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، أي يتبارون في طلب القرب. قال ـ رحمه الله ـ: وطفف الزجاج في هذا الموضع فتأمله.

ولقد صدق في ذلك، فإن الزجاج ذكر في قوله: {أيهم أقرب} وجهين كلاهما في غاية الفساد. وقد ذكر ذلك عنه ابن الجوزي وغيره وتابعه المهدوي والبغوي وغيرهما. ولكن ابن عطية كان أقعد بالعربية والمعاني من هؤلاء، وأخبر بمذهب سيبويه والبصريين، فعرف تطفيف الزجاج مع علمه ـ رحمه الله ـ بالعربية وسبقه ومعرفته بما يعرفه من المعاني والبيان. وأولئك لهم براعة وفضيلة في أمور يبرزون فيها على ابن عطية. لكن دلالة الألفاظ من جهة العربية هو بها أخبر، وإن كانوا هم أخبر بشيء آخر من المنقولات أو غيرها.

وقد بين ـ سبحانه وتعالى ـ أن المسيح وإن كان رسولا كريما، فإنه عبد الله، فمن عبده فقد عبد ما لا ينفعه ولا يضره، قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت