فهرس الكتاب
السعادة وعليها تدور، {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عليهم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا /نفسه، ولا يضر الله شيئا) .
ومكة نفسها لا يدفع البلاء عن أهلها ويجلب لهم الرزق إلا بطاعتهم لله ورسوله. كما قال الخليل ـ عليه السلام ـ: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إليهمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] . وكانوا في الجاهلية يعظمون حرمة الحرم، ويحجون ويطوفون بالبيت، وكانوا خيرا من غيرهم من المشركين. والله لا يظلم مثقال ذرة. وكانوا يكرمون ما لا يكرم غيرهم، ويؤتون ما لا يؤتاه غيرهم، لكونهم كانوا متمسكين بدين إبراهيم بأعظم مما تمسك به غيرهم. وهم في الإسلام إن كانوا أفضل من غيرهم كان جزاؤهم بحسب فضلهم، وإن كانوا أسوأ عملا من غيرهم كان جزاؤهم بحسب سيئاتهم. فالمساجد والمشاعر إنما ينفع فضلها لمن عمل فيها بطاعة الله عز وجل. وإلا فمجرد البقاع لا يحصل بها ثواب ولا عقاب، وإنما الثواب والعقاب على الأعمال المأمور بها والمنهى عنها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخي بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وكان أبو الدرداء بدمشق وسلمان الفارسي بالعراق، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تُقدس أحدا، وإنما يقدس الرجل عمله.
والمقام بالثغور للجهاد أفضل من سكني الحرمىن باتفاق العلماء. /ولهذا كان سكني الصحابة بالمدينة أفضل للهجرة والجهاد.
والله تعالى هو الذي خلق الخلق، وهو الذي يهديهم ويرزقهم وينصرهم، وكل من سواه لا يملك شيئا من ذلك، كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 22، 23] ، وقد فسروها بأنه يؤذن للشافع والمشفوع له جميعا، فإن سيد الشفعاء يوم القيامة محمد صلى الله عليه وسلم إذا أراد الشفاعة قال: (فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا وأحمده بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن، فيقال لي: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع) . قال: (فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة) . وكذلك ذكر في المرة الثانية والثالثة.
ولهذا قال تعالى: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] ، فأخبر أنه لا يملكها أحد دون الله. وقوله: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} استثناء منقطع، أي: من شهد بالحق وهم يعلمون هم أصحاب الشفاعة منهم الشافع ومنهم المشفوع له. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأله أبو هريرة فقال: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول اللّه؟ فقال: (يا أبا هريرة، لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، / لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قلبه) . رواه البخاري فجعل أسعد الناس بشفاعته أكملهم إخلاصا. وقال في الحديث الصحيح: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على، فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة) . فالجزاء من جنس العمل، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا. ومن سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة. ولم يقل كان أسعد الناس بشفاعتي بل قال: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه) .