فهرس الكتاب
فعلم أن ما يحصل للعبد بالتوحيد والإخلاص من شفاعة الرسول، وغيرها لا يحصل بغيره من الأعمال، وإن كان صالحا كسؤاله الوسيلة للرسول فكيف بما لم يأمر به من الأعمال، بل نهى عنه؟ فذاك لا ينال به خيرا لا في الدنيا ولا في الآخرة، مثل غلو النصاري في المسيح عليه السلام، فإنه يضرهم ولا ينفعهم. ونظير هذا ما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتى يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك /بالله شيئا) . وكذلك في أحاديث الشفاعة كلها، إنما يشفع في أهل التوحيد، فبحسب توحيد العبد لله وإخلاصه دينه لله يستحق كرامة الشفاعة وغيرها.
وهو ـ سبحانه ـ علق الوعد والوعيد والثواب والعقاب والحمد والذم بالإيمان به وتوحيده وطاعته، فمن كان أكمل في ذلك كان أحق بتولي الله له بخير الدنيا والآخرة. ثم جميع عباده مسلمهم وكافرهم هو الذي يرزقهم، وهو الذي يدفع عنهم المكاره، وهو الذي يقصدونه في النوائب، قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإليه تَجْأَرُونَ} [النحل: 53] ، وقال تعالى: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} [الأنبياء: 42] ، أي بدلا عن الرحمن. هذا أصح القولين، كقوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} [الزخرف: 60] ، أي: لجعلنا بدلا منكم كما قاله عامة المفسرين، ومنه قول الشاعر:
فليت لنا من ماء زمزم شربة**مبردة باتت على طهيان
أي بدلا من ماء زمزم. فلا يكلأ الخلق بالليل والنهار فيحفظهم ويدفع عنهم المكاره إلا الله، قال تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: 20، 21] .
/ومن ظن أن أرضا معينة تدفع عن أهلها البلاء مطلقا لخصوصها، أو لكونها فيها قبور الأنبياء والصالحين، فهو غالط. فأفضل البقاع مكة، وقد عذب الله أهلها عذابا عظيما، فقال تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ َأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [النحل: 112، 113] .
فَصل
وولاة الأمر أحق الناس بنصر دين الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من الهدي ودين الحق، وبإنكار ما نهى عنه وما نسب إليه بالباطل من الكذب والبدع. إما جهلا من ناقله، وإما عمدا، فإن أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد، ورأس المنكر هو الشرك. وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدي ودين الحق، به فرق الله بين التوحيد والشرك، وبين الحق والباطل، وبين الهدي والضلال، وبين الرشاد والغي، وبين المعروف والمنكر. فمن أراد أن يأمر بما نهى عنه، وينهى عما أمر به، ويغير شريعته ودينه، إما جهلا وقلة علم، وإما لغرض وهوي، كان السلطان أحق بمنعه بما أمر الله به ورسوله. وكان هو أحق / بإظهار ما جاء به الرسول من الهدي ودين الحق. فإن الله ـ سبحانه ـ لابد أن ينصر رسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. فمن كان النصر على يديه كان له سعادة الدنيا والآخرة، وإلا جعل الله النصر على يد غيره، وجازي كل قوم بعملهم، وما ربك بظلام للعبيد.
والله ـ سبحانه ـ قد وعد أنه لا يزال هذا الدين ظاهرا ولا يظهر إلا بالحق، وأنه من نكل عن القيام بالحق استبدل من يقوم بالحق، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا إلىمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ على كُلِّ شَيْءٍ