فهرس الكتاب
محمد، أستشفع بك على ربى في رد بصرى، اللهم فشفعنى في نفسى وشفع نبىى في رد بصرى، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك) فرد الله عليه بصره.
قال ابن أبى خَيْثَمَة: وأبو جعفر هذا ـ الذى حدث عنه حماد بن سلمة ـ اسمه عمير ابن يزيد وهو أبو جعفر الذى يروى عنه شعبة، ثم ذكر الحديث من طريق عثمان بن عمر عن شعبة. قلت: وهذه الطريق فيها (فشفعنى في نفسى"مثل طريق روح بن القاسم، وفيها زيادة أخرى وهى قوله:"وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك ـ أو قال ـ فعل مثل ذلك"."
وهذه قد يقال: إنها توافق قول عثمان بن حنيف، لكن شعبة وروح بن القاسم أحفظ من حماد بن سلمة، واختلاف الألفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى، وقوله: (وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك) قد يكون مدرجًا من كلام عثمان لا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقل: (وإن كانت لك حاجة فعلت مثل ذلك) ، بل قال:"وإن كانت حاجة فعل مثل ذلك)."
وبالجملة، فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة، وإنما غايتها أن يكون عثمان ابن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض، فإنه لم يأمره بالدعاء المشروع، بل ببعضه، وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم، ولفظ الحديث يناقض ذلك، فإن في الحديث أن الأعمى سأل النبى صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، وأنه علم الأعمى أن يدعو وأمره في الدعاء أن يقول: (اللهم فشفعه فى) ، وإنما يدعى بهذا الدعاء إذا كان النبى صلى الله عليه وسلم داعيا شافعا له، بخلاف من لم يكن كذلك، فهذا يناسب شفاعته ودعاءه للناس في محياه في الدنيا ويوم القيامة إذا شفع لهم.
وفيه أيضًا أنه قال: (وشفعنى فيه) ، وليس المراد أنه يشفع للنبى صلى الله عليه وسلم في حاجة للنبى صلى الله عليه وسلم ـ وإن كنا مأمورين بالصلاة والسلام عليه، وأمرنا أن نسأل الله له الوسيلة ـ ففى صحيح البخارى عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال إذا سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذى وعدته، حلتْ له شفاعتى يوم القيامة) .
وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علىّ فإن من صلى على صلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سَلوا الله لى الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة) .
فصل
ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10] .
وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهالا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه) . ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع، من فضائلهم ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل الفتح ـ وهو صلح الحديبية ـ وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر ـ وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ـ: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، كالعشرة، وكثابت بن قيس بن شماس، وغيرهم من الصحابة.