فهرس الكتاب
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التوبة: 19 ـ 22] .
وفي الصحيح: أن رجلًا قال: لا أبإلى ألا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، فقال على بن أبي طالب: الجهاد في سبيل الله أفضل من هذا كله. فقال عمر بن الخطاب: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن إذا قضيت الصلاة. سألته عن ذلك، فسأله، فأنزل الله هذه الآية، فبين لهم أن الإيمان والجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام والحج والعمرة والطواف ومن /الإحسان إلى الحجاج بالسقاية؛ ولهذا قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ: لأن أرابط ليلة في سبيل الله، أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود.
ولهذا كان الرباط في الثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة، والعمل بالرمح والقوس في الثغور، أفضل من صلاة التطوع. وأما في الأمصار البعيدة من العدو، فهو نظير صلاة التطوع.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله) .
وهذه الأعمال كل منها له محل يليق به هو أفضل فيه من غيره، فالسيف عند مواصلة العدو، والطعن عند مقاربته، والرمى عند بعده أو عند الحائل كالنهر والحصن ونحو ذلك. فكلما كان أنكي في العدو وأنفع للمسلمين، فهو أفضل. وهذا يختلف باختلاف أحوال العدو، وباختلاف حال المجاهدين في العدو. ومنه ما يكون الرمى فيه أنفع، ومنه ما يكون الطعن فيه أنفع. وهذا مما يعلمه المقاتلون.
/ فصل
وتعلم هذه الصناعات هو من الأعمال الصالحة لمن يبتغي بذلك وجه الله ـ عز وجل ـ فمن علم غيره ذلك، كان شريكه في كل جهاد يجاهد به، لا ينقص أحدهما من الأجر شيئًا، كالذي يقرأ القرآن ويعلم العلم. وعلى المتعلم أن يحسن نيته في ذلك ويقصد به وجه الله ـ تعإلى ـ وعلى المعلم أن ينصح للمتعلم ويجتهد في تعلىمه، وعلى المتعلم أن يعرف حرمة أستاذه ويشكر إحسانه إليه، فإنه من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ولا يجحد حقه ولا ينكر معروفه.
وعلى المعلمين أن يكونوا متعاونين على البر والتقوي كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه) . وقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو، تداعي له سائر الجسد بالحمي والسهر) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه) . وقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وشبك بين أصابعه، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا /ولا تقاطعوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا) . وهذا كله في الصحيح.
وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟) . قالوا: بلي يارسول الله، قال: (صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) .
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تفتح أبواب الجنة كل يوما اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا) . وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) .
وليس لأحد من المعلمين أن يعتدي على الآخر، ولا يؤذيه بقول ولا فعل بغير حق؛ فإن الله ـ تعإلى ـ يقول: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا