فهرس الكتاب
فهذا هو الأصل الذي عليهم اعتماده. وحينئذ، فلا حاجة إلى تفرقهم وتشيعهم، فإن الله ـ تعإلى ـ يقول: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] ، وقال تعإلى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105] ، وإذا كان الرجل قد علمه أستاذ عرف قدر إحسانه إليه وشكره.
ولا يشد وسطه لا لمعلمه ولا لغير معلمه، فإن شد الوسط لشخص / معين وانتسابه إليه ـ كما ذكر في السؤال ـ: من بدع الجاهلية، ومن جنس التحالف الذي كان المشركون يفعلونه، ومن جنس تفرق قيس ويمن. فإن كان المقصود بهذا الشد والانتماء التعاون على البر والتقوي، فهذا قد أمر الله به ورسوله له ولغيره بدون هذا الشد، وإن كان المقصود به التعاون على الإثم والعدوان، فهذا قد حرمه الله ورسوله فما قصد بهذا من خير، ففي أمر الله ورسوله بكل معروف استغناء أمر المعلمين، وما قصد بهذا من شر، فقد حرمه الله ورسوله.
فليس لمعلم أن يحالف تلامذته على هذا، ولا لغير المعلم أن يأخذ أحدًا من تلامذته لينسبوا إليه على الوجه البدعي: لا ابتداء، ولا إفادة. وليس له أن يجحد حق الأول عليه، وليس للأول أن يمنع أحدًا من إفادته التعلم من غيره، وليس للثاني أن يقول: شد لي وانتسب لي دون معلمك الأول، بل إن تعلم من اثنين فإنه يراعي حق كل منهما، ولا يتعصب لا للأول ولا للثاني، وإذا كان تعلىم الأول له أكثر، كانت رعايته لحقه أكثر.
وإذا اجتمعوا على طاعة الله ورسوله، وتعاونوا على البر والتقوي، لم يكن أحد مع أحد في كل شيء، بل يكون كل شخص مع كل شخص في طاعة الله ورسوله، ولا يكونون مع أحد في معصية الله ورسوله، بل يتعاونون على الصدق والعدل والإحسان، والأمر بالمعروف والنهى عن / المنكر، ونصر المظلوم وكل ما يحبه الله ورسوله، ولا يتعاونون لا على ظلم ولا عصبية جاهلية. ولا اتباع الهوي بدون هدي من الله، ولا تفرق ولا اختلاف، ولا شد وسط لشخص ليتابعه في كل شيء، ولا يحالفه على غير ما أمر الله به ورسوله.
وحينئذ، فلا ينتقل أحد عن أحد إلى أحد، ولا ينتمي أحد: لا لقيطًا، ولا ثقيلًا ولا غير ذلك من أسماء الجاهلية، فإن هذه الأمور إنما ولدها كون الأستاذ يريد أن يوافقه تلميذه على ما يريد، فيوإلى من يوإليه، ويعادي من يعاديه مطلقًا. وهذا حرام، ليس لأحد أن يأمر به أحدًا، ولا يجيب عليه أحدًا، بل تجمعهم السنة وتفرقهم البدعة. يجمعهم فعل ما أمر الله به، ورسوله وتفرق بينهم معصية الله ورسوله، حتى يصير الناس أهل طاعة الله أو أهل معصية الله، فلا تكون العبادة إلا لله ـ عز وجل ـ ولا الطاعة المطلقة إلا له ـ سبحانه ـ ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
ولا ريب أنهم إذا كانوا على عادتهم الجاهلية ـ أي: من علمه أستاذ كان محالفًا له ـ كان المنتقل عن الأول إلى الثاني ظالمًا باغيا ناقضًا لعهده غير موثوق بعقده، وهذا ـ أيضًا ـ حرام وإثم، هذا أعظم من إثم من لم يفعل مثل فعله؛ بل مثل هذا إذا انتقل إلى غير أستاذه وحالفه، كان قد فعل حرامًا، فيكون مثل لحم الخنزير الميت. فإنه لا /بعهد الله ورسوله أوفي، ولا بعهد الأول. بل كان بمنزلة المتلاعب الذي لا عهد له، ولا دين له ولا وفاء. وقد كانوا في الجاهلية يحالف الرجل قبيلة فإذا وجد أقوي منها، نقض عهد الأولي وحالف الثانية ـ وهو شبيه بحال هؤلاء ـ فأنزل الله تعإلى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ علىكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَي مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا