فهرس الكتاب
كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: 91: 94] .
وعليهم أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر، ولا يدعوا بينهم من يظهر ظلمًا أو فاحشة، ولا يدعوا صبيا أمرد يتبرج أو يظهر ما يفتن به الناس، ولا أن يعاشر من يتهم بعشرته، ولا يكرم لغرض فاسد.
ومن حالف شخصًا على أن يوإلى من والاه ويعادي من عاداه، كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله ـ تعإلى ـ ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن / يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان، ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: علىك عهد الله وميثاقه أن توإلى من وإلى الله ورسوله، وتعادي من عادي الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوي ولا تعاون على الإثم والعدوان. وإذا كان الحق معي، نصرت الحق، وإن كنت على الباطل، لم تنصر الباطل. فمن التزم هذا، كان من المجاهدين في سبيل الله ـ تعإلى ـ الذين يريدون أن يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا.
وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يارسول الله، الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله) . فإذا كان المجاهد الذي يقاتل حمية للمسلمين؛ أو يقاتل رياء للناس ليمدحوه، أو يقاتل لما فيه من الشجاعة: لا يكون قتاله في سبيل الله ـ عز وجل ـ حتى يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فكيف من يكون أفضل تعلمه صناعة القتال مبنيا على أساس فاسد ليعاون شخصًا مخلوقًا على شخص مخلوق؟! فمن فعل ذلك، كان من أهل الجاهلية الجهلاء، والتتر الخارجين عن شريعة الإسلام، ومثل هؤلاء يستحقون العقوبة البليغة الشرعية التي تزجرهم وأمثالهم عن مثل هذا التفرق والاختلاف، حتى يكون الدين كله لله والطاعة لله ورسوله، /ويكونون قائمين بالقسط يوالون لله ورسوله، ويحبون لله ويبغضون لله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وللمعلمين أن يطلبوا جعلًا ممن يعلمونه هذه الصناعة. فإن أخذ الجعل والعوض على تعلىم هذه الصناعة جائز، والاكتساب بذلك أحسن المكاسب، ولو أهدي المعلم لأستاذه لأجل تعلىمه وأعطاه ما حصل له من السبق أو غير السبق عوضًا عن تعلىمه وتحصيله الآلات واستكرائه الحانوت، كان ذلك جائزًا، للأستاذ قبوله، وبذل العوض في ذلك من أفضل الأعمال، حتى أن الشريعة مضت بأنه يجوز أن يبذل العوض للمسابقين من غيرهما.
فإذا أخرج ولي الأمر مالًا من بيت المال للمسابقين بالنشاب والخيل والإبل، كان ذلك جائزًا باتفاق الأئمة. ولو تبرع رجل مسلم ببذل الجعل في ذلك، كان مأجورًا على ذلك، وكذلك ما يعطيه الرجل لمن يعلمه ذلك، هو ممن يثاب عليه. وهذا لأن هذه الأعمال منفعتها عامة للمسلمين، فيجوز بذل العوض من آحاد المسلمين فكان جائزًا، وإن أخرجا جميعًا العوض وكان معهما آخر محللًا يكافيها، كان ذلك جائزًا، وإن لم يكن بينهما محلل، فبذل أحدهما شيئًا طابت به نفسه من غير إلزام له أطعم به الجماعة، أو أعطاه للمعلم أو أعطاه لرفيقه، كان ذلك جائزًا.
/وأصل هذا أن يعلم أن هذه الأعمال عون على الجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله مقصوده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا.
وجماع الدين شيئان:
أحدهما: ألا نعبد إلا الله تعإلى.
والثاني: أن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعإلى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] ، قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان