فهرس الكتاب
للناس جلس الناس إليه، لكن أهل السنة يبقون ويبقي ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم. وذلك أن أهل البدعة شنؤوا بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فأبترهم بقدر ذلك. والذين أعلنوا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فصار لهم نصيب من قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] ، فإن ما أكرم الله به نبيه من سعادة الدنيا والآخرة فللمؤمنين المتابعين نصيب بقدر إيمانهم. فما كان من خصائص النبوة والرسالة فلم يشارك فيه أحد من أمته، وما كان من ثواب الإيمان والأعمال الصالحة، فلكل مؤمن نصيب بقد ذلك.
والله تعالى يقول: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَي وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33، والفتح: 82، الصف: 9] : بالحجة والبيان؛ وبإلىد واللسان؛ هذا إلى يوم القيامة. لكن الجهاد المكي بالعلم والبيان، والجهاد المدني مع المكي بإلىد والحديد، قال تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52] و [سورة الفرقان] مكية، وإنما جاهدهم باللسان والبيان، ولكن يكف عن الباطل، وإنما قد بين في المكية. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّي نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] .
وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّي يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَي نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] . وقال تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} إلى قوله: {سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 1 ـ 4] . فبين ـ سبحانه وتعالى ـ: أنه أرسل رسله. والناس رجلان: رجل يقول: أنا مؤمن به مطيعه، فهذا لابد أن يمتحن حتي يعلم صدقه من كذبه. ورجل مقيم على المعصية فهذا قد عمل السيئات فلا يظن أن يسبقونا، بل لابد أن نأخذهم. وما لأحد من خروج عن هذين القسمين. قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} إلى قوله: {لَبِئْسَ الْمَوْلَي وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج: 3 ـ 13] .
فبين ـ سبحانه ـ حال من يجادل في الدين بلا علم. والعلم: هو ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو: السلطان كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} [غافر: 56] . فمن تكلم في الدين بغير ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، كان متكلما بغير علم. ومن تولاه الشيطان فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير، ومن انقاد لدين الله. فقد عبد الله بإلىقين، بل إن أصابه ما يهواه استمر،/وإن أصابه ما يخالف هواه رجع، وقد عبد الله على حرف، و [الحرف] هو: الجانب، كحرف الرغيف وحرف الجبل ليس مستقرًا بإثبات، {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ} في الدنيا، {\اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} أي: محنة امتحن بها، {انقَلَبَ على وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11] ، وحرف الجبل ليس مستقرًا بالثبات، معناه: خسر الدنيا بما امتحن به وخسر الآخرة برجوعه عن الدين {يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ} الآية [الحج: 12] أي: يدعو المخلوقين؛ يخافهم، ويرجوهم، وهم لا يملكون له ضرًا ولا نفعًا، بل ضرهم أقرب من نفعهم، وإن كان سبب نزولها في شخص معين، أسلم وكان مشركا فحكمها عام في كل من تناوله لفظها ومعناها إلى يوم القيامة.
فكل من دعا غير الله، فهو مشرك، والعيان يصدق هذا، فإن المخلوقين إذا اشتكي إليهم الإنسان فضررهم أقرب من نفعهم، والخالق ـ جل جلاله وتقدست أسماؤه ولا إله غيره ـ إذا اشتكي إليه المخلوق وأنزل حاجته به واستغفره من ذنوبه، أيده وقواه وهداه، وسد فاقته وأغناه وقربه وأقناه، وحبه واصطفاه. والمخلوق إذا أنزل العبد به حاجته استرذله وازدراه ثم أعرض عنه، خسر الدنيا والآخرة. وإن قضي له ببعض مطلبه؛ لأن عنده من بعض رعاياه يستعبده بما يهواه، قال الخليل ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ: فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إليه