فهرس الكتاب
ويرحم. له الصبر والرحمة، قال الله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] . وكلما قوي التوحيد في قلب العبد، قوي إيمانه وطمأنينته، وتوكله، ويقينه.
والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم، قال الله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللّهِ} [آل عمران: 151] . وكما قال الله ـ جل جلاله ـ في قصة الخليل عليه السلام: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ} إلى قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 80: 82] . وفي الحديث الصحيح: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، / تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) . فمن كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك. فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به ـ الشرك الأكبر كالعبادة ـ قال الخليل: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عليكم سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ، يقول: إن تطيعوا غير الله، وتعبدون غيره، وتكلمون في دينه ما لم ينزل به سلطانًا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ أي: تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفوني أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن؟ إلى قوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81، 82] أي: هؤلاء الموحدون المخلصون. ولهذا قال الإمام أحمد لبعض الناس: لو صححت لم تخف أحدًا.
ولكن للشيطان وسواس في قلوب الناس، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} إلى قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 112 - 116] ، أخبر ـ سبحانه وتعالى ـ: أن ما جاءت به الرسل والأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ لابد له من عدو شياطين الإنس والجن يوسوسون القول المزخرف، ونهي أن يطلب حكما من غير الله بقوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إليكم الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام: 114] ، والكتاب: هو الحاكم بين الناس شرعا ودينًا، وينصر القائم نصرًا وقدرًا. وقد قال الله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّي الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196] . وقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} إلى قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18، 19] .
وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] ، و [الميزان] هو: العدل، وما به يعرف العدل، وأنزل الحديد لينصر الكتاب، فإن قام صاحبه بذلك، كان سعيدًا مجاهدًا في سبيل الله، فإن الله نصر الكتاب بأمر من عنده، وانتقم ممن خرج عن حكم الكتاب، كما قال تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ} إلى قوله: {وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40] . وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ( {إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} ) [التوبة: 40] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128] . وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] . وكل من وافق الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر خالف فيه غيره، فهو من الذين اتبعوه في ذلك، وله نصيب من قوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا [التوبة: 40] ؛ فإن المعية الإلهية المتضمنة للنصر هي لما جاء به إلى يوم القيامة، وهذا قد دل عليه القرآن، وقد رأينا من ذلك وجربنا ما يطول وصفه. وقال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّي يَتَبَيَّنَ لَهُمْ} [فصلت: 53] إلى آخر السورة. وقال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] . /وقال تعالى: {ّفَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 2، 3] ، فمن شنأ شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فله من ذلك نصيب؛ ولهذا قال أبو بكر بن عياش لما قيل له: إن بالمسجد أقواما يجلسون ويجلس الناس إليهم فقال: من جلس