الصفحة 489 من 1087

فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه لا بالحب ولا بالخوف، ولا بالرجاء ولا بالسؤال ولا بالتوكل عليه، بل لا يحبون إلا اللّه ولا يحبون معه أندادا، ولا يحبون إلا إياه، لا لطلب منفعة، ولا لدفع مضرة، ولايخافون غيره كائنًا من كان، ولا يسألون غيره ولا يتشرفون /بقلوبهم إلى غيره.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر ـ رضي اللّه عنه ـ: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا متشرف فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك) ـ فالسائل بلسانه والمتشرف بقلبه ـ متفق على صحته. وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من يستعفف يعفه اللّه، ومن يستغن يغنه اللّه؛ ومن يصبر يصبره الله) . متفق على صحته. فالغني في القلب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الغني عن كثرة المال، ولكن الغني غني النفس) . [والعفيف] الذي لا يسأل بلسانه لا نصرًا ولا رزقا. قال تعإلى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍأَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: 20، 21] . وقال تعالى: {وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَي وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 40] . وقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] إلى آخر السورة. وقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشوري: 11] ، أي: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فإنه ـ سبحانه وتعالى ـ من حسن تدبيره لعبده وتيسيره له أسباب الخير من الهدي للقلوب والزلفي لديه والتبصير، يدفع عنه شياطين الإنس والجن ما لا تبلغ العباد قدره.

والخير كله في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم النبي الأمي الذي {يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} إلى آخر الآية [الأعراف: 157] . وأكثر الناس لا / يعرفون حقائق ما جاء به، إنما عندهم قسط من ذلك. {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًي وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد: 17] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، والجهاد يوجب هداية السبيل إليه. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] . فكل من اتبع الرسول فإن الله حسبه، أي: كافيه وهاديه وناصره، أي: كافيه كفايته وهدايته وناصره ورازقه.

فالإنسان ظالم جاهل كما قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ على السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} إلى قوله: {ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] . وإنما غاية أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين التوبة. وقد قال تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3] ، وتوبة كل إنسان بحسبه وعلى قدر مقامه وحاله.

ولهذا كان الدين مجموعا في التوحيد والاستغفار، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] . وقال تعالى: {فَاسْتَقِيمُوا إليه وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6] . وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إليه} [هود: 90] ، ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يدخل في التوحيد في قول: لا إله إلا الله، فإنه من لم يفعل الطاعات لله، ويترك المعاصي لله، لم يقبل الله عمله. قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] ، قال طلق بن حبيب: التقوي: أن تعمل بطاعة الله على نور /من الله ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله.

ولابد لكل عبد من التوبة والاستغفار بحسب حاله.

والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه ـ والإله هو المعبود، الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام، والخوف والرجاء، يفني القلب بحب الله ـ تعالى ـ عن حب ما سواه، ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه ـ حلاه الله بالأمن والسرور، والحبور، والرحمة للخلق، والجهاد في سبيل الله فهو يجاهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت