فهرس الكتاب
والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التطير كما ثبت في الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت: يارسول اللّه، إن منا قوما يأتون الكهان، قال: (فلا تأتوهم) . قلت: منا قوم يتطيرون؟ قال: (ذاك شيء يجده أحدكم من نفسه فلا يصدنكم) . فإذا كان قد نهى عن أن تصده الطيرة عما عزم عليه، فكيف بالأيام والليالي؟ / ولكن يستحب السفر يوم الخميس، ويوم السبت ويوم الاثنين، من غير نهى عن سائر الأيام، إلا يوم الجمعة إذا كانت الجمعة تفوته بالسفر ففيه نزاع بين العلماء.
وأما الصناعات والجماع، فلا يكره في شيء من الأيام. واللّه أعلم.
رسالة من شيخ الإسلام ـ قدس اللّه روحه ـ إلى أصحابه وهو في حبس الإسكندرية قال:
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحي: 11] . والذي أعَرِّف به الجماعة ـ أحسن اللّه إليهم في الدنيا وفي الآخرة وأتم عليهم نعمته الظاهرة والباطنة ـ فإني ـ واللّه العظيم الذي لا إله إلا هو ـ في نعم من اللّه ما رأيت مثلها في عمري كله، وقد فتح اللّه ـ سبحانه وتعإلى ـ من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن بالبال، ولا يدور في الخيال ما يصل الطرف إليها، يسرها اللّه ـ تعإلى ـ حتى صارت مقاعد، وهذا يعرف بعضها بالذوق من له نصيب من معرفة اللّه وتوحيده وحقائق الإيمان، وما هو مطلوب الأولين والآخرين من العلم والإيمان.
/فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه، إنما هو في معرفة اللّه ـ سبحانه وتعإلى ـ وتوحيده والإيمان به وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية، كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول فيها: إن كان أهل الجنة في هذه الحال، إنهم لفي عيش طيب.
وقال آخر: لتمرعلى القلب أوقات يرقص فيها طربًا، وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أرحنا بالصلاة يابلال) ، ولا يقول: أرحنا منها، كما يقوله من تثقل عليه الصلاة، كما قال تعإلى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] . والخشوع: الخضوع للّه ـ تعإلى ـ والسكون والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (حبب إلى من دنياكم النساء والطيب) ، ثم يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) ولم يقل: حبب إلى من دنياكم ثلاث. كما يرفعه بعض الناس، بل هكذا رواه الإمام أحمد والنسائي أن المحبب إليه من الدنيا النساء والطيب. وأما قرة العين، تحصل بحصول المطلوب وذلك في الصلاة.
والقلوب فيها وسواس النفس، والشيطان يأمر بالشهوات والشبهات ما يفسد عليه طيب عيشها، فمن كان محبًا لغير اللّه، فهو معذب في الدنيا /والآخرة، إن نال مراده عذب به؛ وإن لم ينله، فهو في العذاب والحسرة والحزن.
وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة اللّه والتقرب إليه بما يحبه ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا اللّه، وهي ملة إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة اللّه وسلامه عليهم أجمعين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: (قولوا: أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين) .
و [الحنيف] للسلف فيه ثلاث عبارات: قال محمد بن كعب: مستقيما. وقال عطاء: مخلصًا. وقال آخرون: متبعًا. فهو مستقيم القلب إلى اللّه دون ما سواه. قال اللّه تعإلى: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6] ، وقال تعإلى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] قال أبو بكر الصديق ـ رضي اللّه عنه ـ: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة،