فهرس الكتاب
إذا كان للمسلمين به منفعة وهو قادر عليها، لم ينبغ له أن يترك ذلك لغير مصلحة راجحة على المسلمين، بل كونه مقدمًا في الجهاد الذي يحبه اللّه ورسوله، أفضل من التطوع بالعبادة، كصلاة التطوع، والحج التطوع، والصيام التطوع. واللّه أعلم.
/ وسئل ـ رحمه اللّه:
هل يجوز للجندي أن يلبس شيئًا من الحرير والذهب والفضة في القتال، أو وقت يصل رسل العدو إلى المسلمين؟
فأجاب:
الحمد للّه، أما لباس الحرير عند القتال للضرورة فيجوز باتفاق المسلمين، وذلك بألا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح والوقاية. وأما لباسه لإرهاب العدو، ففيه للعلماء قولان: أظهرهما أن ذلك جائز. فإن جند الشام كتبوا إلى عمر بن الخطاب: إنا إذا لقينا العدو ورأيناهم قد كفروا ـ أي: غطوا أسلحتهم بالحرير ـ وجدنا لذلك رعبًا في قلوبنا. فكتب إليهم عمر: وأنتم فَكَفِّروا أسلحتكم، كما يكفرون أسلحتهم.
ولأن لبس الحرير فيه خيلاء واللّه يحب الخيلاء حال القتال، كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن من الخيلاء ما يحبه اللّه، ومن الخيلاء ما يبغضه اللّه، فأما الخيلاء التي يحبها اللّه فاختيال الرجل عند الحرب، وعند الصدقة. وأما الخيلاء التي يبغضها اللّه، فالخيلاء في البغي والفخر) . ولما كان يوم أحد اختال أبو دُجَانة /الأنصاري بين الصفين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها لمشية يبغضها اللّه إلا في هذا الموطن) .
وأما يسير الحرير مثل العلم الذي عرضه أربعة أصابع ونحو ذلك فيجوز مطلقا، وفي العلم الذهب نزاع بين العلماء؛ والأظهر جوازه أيضا؛ فإن في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن الذهب إلا مقطعا.
وَسئِل عَن سَفَر صَاحِب العِيَال إلخ.
فأجاب:
أما سفر صاحب العيال، فإن كان السفر يضر بعياله، لم يسافر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفي بالمرء إثمًا أن يُضِيعَ من يقوت) ، وسواء كان تضررهم لقلة النفقة أو لضعفهم، وسفر مثل هذا حرام. وإن كانوا لا يتضررون، بل يتألمون وتنقص أحوالهم، فإن لم يكن في السفر فائدة جسيمة تربو على ثواب مقامه عندهم كعلم يخاف فوته، وشيخ يتعين الاجتماع به، وإلا فمقامه عندهم أفضل، وهذا لعمري إذا صحت نيته في السفر، كان مشروعا.
وأما إن كان كسفر كثير من الناس، إنما يسافر قلقًا وتزجية للوقت، فهذا مقامه يعبد اللّه في بيته خير له بكل حال، ويحتاج صاحب هذه /الحال أن يستشير في خاصة نفسه رجلا عالمًا بحاله، وبما يصلحه، مأمونًا على ذلك، فإن أحوال الناس تختلف في مثل هذا اختلافا متباينًا. واللّه ـ سبحانه وتعإلى ـ أعلم.
وَسُئلَ عن الأيام والليإلى مثل: أن يقول: السفر يكره يوم الأربعاء أو الخميس أو السبت، أو يكره التفصيل أو الخياطة أو الغزل في هذه الأيام، أو يكره الجماع في ليلة من الليإلى ويخاف على الولد.
فأجاب:
الحمد للّه، هذا كله باطل لا أصل له، بل الرجل إذا استخار اللّه ـ تعإلى ـ وفعل شيئا مباحا، فليفعله في أي وقت تيسر. ولا يكره التفصيل ولا الخياطة ولا الغزل ولا نحو ذلك من الأفعال في يوم من الأيام، ولا يكره الجماع في ليلة من الليالي ولا يوم من الأيام.