الصفحة 644 من 1087

فلهذا كانت الخوارج أقل ضلالا من الروافض، مع أن كل واحدة من الطائفتين مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله، ومخالفة لصحابته وقرابته، ومخالفون لسنة خلفائه الراشدين ولعترته أهل بيته.

وقد تنازع العلماء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في إجماع الخلفاء، وفى إجماع العترة هل هو حجة يجب اتباعها؟ والصحيح أن كليهما حجة؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ) . وهذا حديث صحيح في السنن. وقال صلى الله عليه وسلم: (إنى تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتى، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) . رواه الترمذى وحسنه، وفيه نظر. وكذلك إجماع أهل المدينة النبوية في زمن الخلفاء الراشدين هو بهذه المنزلة.

/والمقصود هنا أن يتبين أن هؤلاء الطوائف المحاربين لجماعة المسلمين من الرافضة ونحوهم هم شر من الخوارج الذين نص النبى صلى الله عليه وسلم على قتالهم ورغب فيه. وهذا متفق عليه بين علماء الإسلام العارفين بحقيقته. ثم منهم من يرى أن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم شمل الجميع، ومنهم من يرى أنهم دخلوا من باب التنبيه والفحوى أو من باب كونهم في معناهم. فإن الحديث روى بألفاظ متنوعة، ففى الصحيحين ـ واللفظ للبخارى ـ عن على ابن أبى طالب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، فوالله لأن أخر من السماء أحب إلىَّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بينى وبينكم، فإن الحرب خدعة، وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة) . وفى صحيح مسلم: عن زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين كانوا مع على ـ رضي الله عنه ـ الذين ساروا إلى الخوارج. فقال على: يا أيها الناس، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج قوم من أمتى يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشىء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشىء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشىء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، /لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدى عليه شعرات بيض) . والله إنى لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم؛ فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله. وذكر الحديث إلى آخره.

وفى مسلم ـ أيضا ـ عن عبد الله بن رافع ـ كاتب على ـ رضي الله عنه ـ أن الحرورية لما خرجت وهو مع على قالوا: لا حكم إلا لله. فقال على: كلمة حق أريد بها باطل. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إنى لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم، لا يجاوز هذا منهم ـ وأشار إلى حلقه ـ من أبغض خلق الله إليه، منهم رجل أسود إحدى يديه طِبْى شاة أو حلمة ثدى. فلما قتلهم على بن طالب قال: انظروا. فنظروا فلم يجدوا شيئًا. فقال: ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كُذِبت ـ مرتين أو ثلاثا ـ ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه.

وهذه العلامة التى ذكرها النبى صلى الله عليه وسلم هى علامة أول من يخرج منهم، ليسوا مخصوصين بأولئك القوم، فإنه قد أخبر /فى غير هذا الحديث أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمن الدجال. وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر.

وأيضا، فالصفات التى وصفها تعم غير ذلك العسكر؛ ولهذا كان الصحابة يروون الحديث مطلقا، مثل ما في الصحيحين، عن أبى سلمة، وعطاء بن يسار: أنهما أتيا أبا سعيد فسألاه عن الحرورية: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها؟ قال: لا أدرى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج فى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت