الصفحة 646 من 1087

الله عليه وسلم قاتل الكفار، أى: قاتل جنس الكفار، وإن كان الكفر أنواعا مختلفة، وكذلك الشرك أنواع مختلفة، وإن لم تكن الآلهة التى كانت العرب تعبدها هى التى تعبدها الهند والصين والترك، لكن يجمعهم لفظ الشرك ومعناه.

وكذلك الخروج والمروق يتناول كل من كان في معنى أولئك، ويجب قتالهم بأمر النبى صلى الله عليه وسلم، كما وجب قتال أولئك. وإن كان الخروج عن الدين والإسلام أنواعا مختلفة، وقد بينا أن خروج الرافضة ومروقهم أعظم بكثير.

فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج، كالحرورية، والرافضة، ونحوهم فهذا فيه قولان للفقهاء، هما روايتان عن الإمام أحمد. والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم، كالداعية إلى مذهبه، ونحو ذلك ممن فيه /فساد. فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم) ، وقال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) . وقال عمر لصَبِيع بن عَسْل: لو وجدتك محلوقا لضربت الذى فيه عيناك. ولأن على بن أبى طالب طلب أن يقتل عبد الله ابن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه. ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض. فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا، ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول، أو كان في قتله مفسدة راجحة. ولهذا ترك النبى صلى الله عليه وسلم قتل ذلك الخارجى ابتداء لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام؛ ولهذا ترك على قتلهم أول ما ظهروا لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا، وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرا لم يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبين له أنهم هم.

وأما تكفيرهم وتخليدهم، ففيه ـ أيضًا ـ للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد. والقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم. والصحيح أن هذه الأقوال التى يقولونها التى يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التى هى من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هى كفر أيضا. وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار، موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه. فإنا نطلق /القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذى لا معارض له، وقد بسطت هذه القاعدة فى (قاعدة التكفير) .

ولهذا لم يحكم النبى صلى الله عليه وسلم بكفر الذى قال: إذا أنا مت فأحرقونى، ثم ذرونى في اليم، فوالله لأن قدر الله علىَّ ليعذبنى عذابا لا يعذبه أحدًا من العالمين، مع شكه في قدرة الله وإعادته؛ ولهذا لا يكفر العلماء من استحل شيئًا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببادية بعيدة؛ فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة. وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك، فيطلق أن هذا القول كفر، ويكفر من قامت عليه الحجة التى يكفر تاركها، دون غيره. والله أعلم.

ما تقول الفقهاء أئمة الدين في هؤلاء التتار، الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة، وفعلوا ما اشتهر من قتل المسلمين، وسبى بعض الذرارى، والنهب لمن وجدوه من المسلمين، وهتكوا حرمات الدين من إذلال المسلمين، وإهانة المساجد، لاسيما [بيت المقدس] وأفسدوا فيه، /وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم، وأسروا من رجال المسلمين الجم الغفير وأخرجوهم من أوطانهم، وادعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين وادعوا تحريم قتال مقاتلهم، لما زعموا من اتباع أصل الإسلام، ولكونهم عفوا عن استئصال المسلمين. فهل يجوز قتالهم أو يجب، وأيما كان فمن أى الوجوه جوازه أو وجوبه؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت