الصفحة 650 من 1087

وقضائه، أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، أو الطعن في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا في طاعتهم التى توجب الخروج عن شريعة الإسلام، وأمثال هذه الأمور.

قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال: 39] ، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278، 279] ، وهذه الآية نزلت في أهل الطائف، وكانوا قد أسلموا وصلوا وصاموا، لكن كانوا يتعاملون بالربا. فأنزل الله هذه الآية، وأمر المؤمنين فيها بترك ما بقى من الربا، وقال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279] ، وقد قرئ {فَاذَنُوا} ، و (وآذنوا) وكلا المعنيين صحيح. والربا /آخر المحرمات في القرآن، وهو مال يؤخذ بتراضى المتعاملين. فإذا كان من لم ينته عنه محاربا لله ورسوله، فكيف بمن لم ينته عن غيره من المحرمات التى هى أسبق تحريما وأعظم تحريما؟!.

وقد استفاض عن النبى صلى الله عليه وسلم الأحاديث بقتال الخوارج، وهى متواترة عند أهل العلم بالحديث. قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وقد رواها مسلم في صحيحه، وروى البخارى منها ثلاثة أوجه: حديث على، وأبى سعيد الخدرى، وسهل ابن حنيف. وفى السنن والمسانيد طرق أخر متعددة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في صفتهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) .

وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب بمن معه من الصحابة، واتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها، لم يتنازعوا في قتالهم كما تنازعوا في القتال يوم الجمل وصفين. فإن الصحابة كانوا في قتال الفتنة ثلاثة أصناف: قوم قاتلوا مع على ـ رضي الله عنه. وقوم قاتلوا مع من قاتله. وقوم قعدوا عن القتال لم يقاتلوا الواحدة من الطائفتين. وأما الخوارج /فلم يكن فيهم أحد من الصحابة، ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة وفى الصحيح عن أبى سعيد، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) . وفى لفظ: (أدنى الطائفتين إلى الحق) . فبهذا الحديث الصحيح ثبت أن عليا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن تلك المارقة التى مرقت من الإسلام ليس حكمها حكم إحدى الطائفتين، بل أمر النبى صلى الله عليه وسلم بقتال هذه المارقة، وأكد الأمر بقتالها، ولم يأمر بقتال إحدى الطائفتين كما أمر بقتال هذه، بل قد ثبت عنه في الصحيح من حديث أبى بكرة أنه قال للحسن: (إن ابنى هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين) ، فمدح الحسن وأثنى عليه بما أصلح الله به بين الطائفتين حين ترك القتال، وقد بويع له واختار الأصلح، وحقن الدماء مع نزوله عن الأمر. فلو كان القتال مأمورًا به لم يمدح الحسن ويثنى عليه بترك ما أمر الله به وفعل ما نهى الله عنه.

والعلماء لهم في قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان:

منهم من يرى قتال علىٍّ يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغى، وكذلك يجعل قتال أبى بكر لمانعى الزكاة، وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة، كما ذكر ذلك من ذكره /من أصحاب أبى حنيفة والشافعى ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم. وهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت