الصفحة 651 من 1087

متفقون على أن الصحابة ليسوا فساقا بل هم عدول؛ فقالوا: إن أهل البغى عدول مع قتالهم، وهم مخطئون خطأ المجتهدين في الفروع.

وخالفت في ذلك طائفة كابن عقيل وغيره، فذهبوا إلى تفسيق أهل البغى، وهؤلاء نظروا إلى من عدوه من أهل البغى في زمنهم فرأوهم فساقا، ولا ريب أنهم لا يدخلون الصحابة في ذلك ـ وإنما يفسق الصحابة بعض أهل الأهواء من المعتزلة ونحوهم، كما يكفرهم بعض أهل الأهواء من الخوارج والروافض، وليس ذلك من مذهب الأئمة والفقهاء أهل السنة والجماعة ـ ولا يقولون: إن أموالهم معصومة كما كانت، وما كان ثابتا بعينه رد إلى صاحبه، وما أتلف في حال القتال لم يضمن، حتى إن جمهور العلماء يقولون: لا يضمن لا هؤلاء ولا هؤلاء، كما قال الزهرى: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمعوا أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر.

وهل يجوز أن يستعان بسلاحهم في حربهم إذا لم يكن إلى ذلك ضرورة؟ على وجهين: في مذهب أحمد يجوز، والمنع قول الشافعى والرخصة قول أبى حنيفة.

واختلفوا في قتل أسيرهم، واتباع مدبرهم، والتَّذْفِيف على جريحهم / إذا كان لهم فئة يلجؤون إليها. فجوز ذلك أبو حنيفة، ومنعه الشافعى، وهو المشهور في مذهب أحمد، وفى مذهبه وجه: أنه يتبع مدبرهم في أول القتال. وأما إذا لم يكن لهم فئة فلا يقتل أسير ولا يُذَفَّف على جريح، كما رواه سعيد وغيره عن مروان بن الحكم قال: خرج صارخ لعلى يوم الجمل: لا يقتلن مدبر ولا يذفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن.

فمن سلك هذه الطريقة فقد يتوهم أن هؤلاء التتار من أهل البغى المتأولين، ويحكم فيهم بمثل هذه الأحكام، كما أدخل من أدخل في هذا الحكم مانعى الزكاة والخوارج. وسنبين فساد هذا التوهم إن شاء الله تعالى.

والطريقة الثانية: أن قتال مانعى الزكاة والخوارج ونحوهم ليس كقتال أهل الجمل وصفين، وهذا هو المنصوص عن جمهور الأئمة المتقدمين، وهو الذى يذكرونه في اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو مذهب أهل المدينة كمالك وغيره، ومذهب أئمة الحديث كأحمد وغيره.

وقد نصوا على الفرق بين هذا وهذا في غير موضع، حتى في الأموال. فإن منهم من أباح غنيمة أموال الخوارج، وقد نص أحمد في رواية أبى طالب في حرورية كان لهم سهم في قرية فخرجوا / يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون، فأرضهم فىء للمسلمين، يقسم خمسه على خمسة، وأربعة أخماسه للذين قاتلوا يقسم بينهم، أو يجعل الأمير الخراج على المسلمين ولا يقسم، مثل ما أخذ عمر السواد عنوة ووقفه على المسلمين. فجعل أحمد الأرض التى للخوارج إذا غنمت بمنزلة ما غنم من أموال الكفار. وبالجملة، فهذه الطريقة هى الصواب المقطوع به.

فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا، وسيرة على ـ رضي الله عنه ـ تفرق بين هذا وهذا. فإنه قاتل الخوارج بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرح بذلك، ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة. وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من كراهته والذم عليه ما ظهر. وقال في أهل الجمل وغيرهم: إخواننا بغوا علينا، طهرهم السيف. وصلى على قتلى الطائفتين.

وأما الخوارج، ففى الصحيحين عن على بن أبى طالب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت